يعاني الإنترنت منذ فترة أزمة هوية حقيقية.
افتح يوتيوب وسيظهر شخص يشرح لك كيف تعيد بناء روتينك الصباحي قبل شروق الشمس. انتقل إلى «إنستغرام»، فتكتشف أن الجميع قد رتبوا منازلهم، وسافروا حول العالم، وأطلقوا مشاريعهم الخاصة، وتعلموا خمس لغات، بينما كنت أنت تحاول تذكّر المكان الذي وضعت فيه شاحن الهاتف.
أما «لينكدإن»، فيبدو مقتنعا بأن عدم تحولك إلى مدير تنفيذي قبل موعد الغداء دليل على أنك لا تستثمر وقتك كما ينبغي.
في مرحلة ما، تحول الإنترنت إلى ندوة عالمية مفتوحة عن تطوير الذات.
كل شيء يريد منك أن تصبح أكثر إنتاجية، وأسرع تعلّما، وأفضل تنظيما، وأشد التزاما. حتى المقاطع التي يفترض أنها تساعدك على الاسترخاء تبدأ غالبا بمقدمة تشرح لك كيف تجعل استرخاءك أكثر كفاءة.
هل هذا مفيد؟
أحيانا.
هل هو مرهق؟
بكل تأكيد.
لكن الشبكة لم تكن هكذا دائما.
قبل أن تتعلم الخوارزميات مراقبة كل نقرة وتحويلها إلى توصية، وقبل أن يصبح كل موقع مطالبا بإقناع المستثمرين بأنه سيغيّر العالم، كان هناك أشخاص يصنعون صفحات صغيرة وغريبة لمجرد أن الفكرة أضحكتهم.
لم يكن أحدهم يحاول «إحداث ثورة في قطاع الترفيه الرقمي».
لقد استيقظ في الصباح وقال لنفسه:
«ماذا لو ضغط الناس على أزرار لوحة المفاتيح، فانطلقت أصوات غريبة وأشكال ملوّنة؟»
ثم لم يعقد اجتماعا لدراسة الجدوى، ولم يطلب تمويلا أوليا، ولم يكتب منشورا طويلا عن رحلته الريادية.
لقد صنع الموقع ببساطة.
ولعل الإنترنت أصبح ألطف قليلًا بسبب أشخاص من هذا النوع.
فيما يلي مجموعة من المواقع التي لا تعدك بأن تصبح ثريا أو منظما أو أكثر نجاحا. بعضها لن يعلمك شيئا على الإطلاق، وبعضها سيهدر دقائق من يومك بلا خجل.
وهذه بالضبط هي الفكرة.
Patatap: حين تتحول لوحة المفاتيح إلى حفلة
هناك مواقع تذكّرك بأن البالغين ليسوا سوى أطفال يمتلكون اتصالا أسرع بالإنترنت.
وموقع Patatap واحد منها.
لا تحتاج إلى إنشاء حساب، ولا إلى قراءة دليل استخدام، ولا إلى امتلاك موهبة موسيقية خفية. كل ما عليك فعله هو الضغط على أحد أزرار لوحة المفاتيح، فتظهر أمامك حركة بصرية مصحوبة بصوت مختلف. اضغط زرا آخر، فتحصل على صوت جديد وشكل جديد. وبعد قليل ستجد نفسك تضرب الأزرار بتركيز ملحن إلكتروني يستعد لإحياء أهم حفل في مسيرته.
الموقع يصف نفسه بأنه مجموعة محمولة من الأصوات والرسوم المتحركة، صُممت لتتيح للمستخدم إنشاء ألحان مصحوبة بأشكال متحركة بمجرد اللمس أو الضغط. وينبّه القائمون عليه إلى احتوائه على صور وومضات سريعة قد لا تناسب من يعانون حساسية تجاه الأضواء المتقطعة.
لا توجد نتيجة نهائية، ولا مرحلة عليك اجتيازها، ولا تقييم يخبرك بأن أداءك كان سيئا.
أنت تضغط فقط. والشاشة ترد عليك.
دخلت الموقع بنية تجربته لدقيقة واحدة. وبعد فترة وجدت نفسي أضغط على الأزرار كما لو كنت أؤلف عملا فنيا تجريبيا سيصعب على الأجيال القادمة فهمه.
إنه موقع مبهج، عبثي، وغير ضروري تماما. وأظن أن الإنترنت يحتاج إلى قدر أكبر من الأشياء غير الضرورية.
FutureMe: رسالة يكتبها شخص تعرفه جيدا ولم تقابله بعد
يطرح موقع FutureMe سؤالا بسيطا:
ماذا تريد أن تقول لنفسك في المستقبل؟
تكتب رسالة، وتختار تاريخ وصولها، ثم تواصل حياتك وتنساها.
بعد أشهر أو سنوات، تصل رسالة إلكترونية كتبها شخص أصغر منك سنا، لكنه يعرف عنك أشياء لا يعرفها أحد تقريبا. يعرف ما كنت تخشاه، وما كنت تنتظره، وما ظننته في ذلك الوقت مشكلة لا يمكن تجاوزها.
والطريف أن هذا الشخص هو أنت.
يتيح الموقع كتابة رسائل إلى الذات المستقبلية تتضمن الأهداف أو الذكريات أو التوقعات، ثم يرسلها في الموعد الذي يحدده المستخدم. وقد بدأ تقديم هذه الخدمة منذ عام 2002، ما يعني أن بعض مستخدميه يتلقون اليوم رسائل أرسلها إليهم أشخاص كانوا هم أنفسهم قبل أكثر من عقدين.
تبدو الفكرة سهلة حتى تبدأ في الكتابة.
ماذا تقول لشخص سيحمل اسمك وذكرياتك بعد خمس سنوات؟
هل تقدم له النصيحة؟
هل تعتذر منه لأنك لم تبدأ بعد في تنفيذ الخطة التي تتحدث عنها منذ ثلاثة أعوام؟
هل تسأله إن كانت الأمور قد تحسنت؟
أم تكتفي بكتابة عبارة قصيرة مثل:
«أرجو أنك توقفت أخيرا عن تأجيل كل شيء إلى يوم الأحد»؟
اكتشفت أن تقديم النصائح إلى نفسي المستقبلية أصعب بكثير من تقديمها إلى الآخرين. فنحن نملك حلولا ممتازة لحياة أصدقائنا، لكننا نصاب فجأة بالتواضع الفكري حين يتعلق الأمر بحياتنا.
وقد تأتي الرسالة مضحكة أو محرجة أو مؤثرة على نحو لم تتوقعه.
لكنها، في كل الحالات، تفتح نافذة صغيرة بين نسختين منك فصل بينهما الزمن.
MapCrunch: سافر حول العالم من دون أن تعرف وجهتك
كان موقع The Secret Door القديم يفتح بابا افتراضيا ويلقي بالمستخدم في موقع عشوائي عبر صور الشوارع. كانت الفكرة جميلة، لكن الموقع الأصلي كان جزءًا من حملة تسويقية قديمة، ولم يعد الوصول إليه مضمونا كما كان.
البديل الذي ما يزال يؤدي الفكرة بروحها الأصلية هو MapCrunch.
تضغط زرا واحدا، فينقلك الموقع إلى مكان عشوائي عبر خدمة Street View. قد تجد نفسك أمام طريق تحيط به الثلوج، أو في قرية هادئة، أو بجانب متجر صغير في مدينة لم تفكر يومًا في زيارتها.
لا توجد مقدمة سياحية تخبرك بما يجب أن تراه.
لا توجد قائمة بعنوان «أفضل عشرة أشياء يمكنك فعلها».
ولا يظهر مؤثر سياحي ليخبرك أن هذا المكان «جوهرة مخفية» بينما يقف خلفه مئتا سائح يحملون الهاتف نفسه.
أنت تهبط في المكان فحسب، ثم تبدأ في النظر حولك.
في إحدى اللحظات قد تكون في شارع مشمس بين بيوت ملونة، وبعد ضغطة واحدة تنتقل إلى طريق ريفي لا يظهر فيه إنسان واحد. وأحيانا يلقي بك الموقع أمام مشهد عادي تماما: موقف سيارات، سور طويل، أو شاحنة متوقفة بجوار مستودع.
لكن هذا جزء من سحره.
فالعالم الحقيقي لا يتكون بالكامل من المعالم السياحية. معظمه طرق جانبية، ونوافذ مغلقة، وأشخاص خرجوا لشراء الخبز قبل دقائق من مرور سيارة التصوير.
دخلت لأزور مكانا واحدا، ثم انتقلت بين بلدان عدة قبل أن أتذكر أن لدي رسائل كان يفترض أن أجيب عنها.
لكن الرسائل ستبقى في صندوق البريد.
أما احتمال أن تجد نفسك فجأة في شارع ضبابي على أطراف آيسلندا، فلا يأتي كل يوم.
Radiooooo: آلة زمن موسيقية
لا، الاسم ليس خطأ مطبعيا.
يتيح لك Radiooooo اختيار بلد على الخريطة، ثم اختيار عقد زمني، ليبدأ تشغيل موسيقى كانت تُسمع في ذلك المكان خلال تلك الفترة. يمكنك أن تنتقل إلى مصر في الستينيات، أو اليابان في الثمانينيات، أو فرنسا في الخمسينيات، من دون حاجة إلى جواز سفر أو آلة زمن كثيرة الأعطال.
نحن معتادون اليوم على منصات موسيقية تعرف ما نحب، أو تدّعي ذلك على الأقل.
تستمع إلى أغنية، فتقترح عليك عشرين أغنية تشبهها. وبعد فترة، تكتشف أنك تستمع إلى نسخ مختلفة من الشيء نفسه، داخل غرفة موسيقية مريحة أغلقت الخوارزمية نوافذها بعناية.
أما Radiooooo فيعيد إليك شيئا افتقدناه قليلا: المصادفة.
قد تسمع أغنية لا تعرف لغتها، ولا اسم صاحبها، ولا السياق الذي ظهرت فيه، لكنها تجعلك تتوقف فجأة.
ربما تكون أغنية راقصة من بلد لم تزره، أو تسجيلا قديما يبدو كأنه خرج من مذياع في غرفة بعيدة، أو لحنا غريبا لا تعرف إن كنت تحبه أم تحاول فهمه.
ذهبت بحثا عن أغنية واحدة، وخرجت بقائمة تشغيل جديدة، وثلاثة بلدان أريد قراءة تاريخها، ورغبة غامضة في شراء جهاز راديو قديم لا أحتاجه.
تلك نتيجة جيدة لموقع لم يطلب مني تحديد «مزاجي الحالي» قبل أن يسمح لي بالاستماع.
Zoomquilt: لوحة لا تنتهي
لا يقدم Zoomquilt تعليمات كثيرة، لأنه لا يحتاج إليها.
تظهر أمامك لوحة سريالية، ثم تبدأ الصورة في الاقتراب ببطء. تدخل من باب صغير إلى مشهد آخر، ومن نافذة إلى عالم جديد، ومن وجه إلى مدينة، ومن المدينة إلى ممر يقود بدوره إلى لوحة أخرى.
وتستمر الرحلة.
لا تصل الصورة إلى نهاية، بل تبدو كأنها تبتلع نفسها باستمرار.
بدأ المشروع عام 2004 بوصفه لوحة تعاونية شارك في رسمها عدد من الفنانين، وصُممت بحيث يستمر التكبير والانتقال بين مشاهدها بلا توقف ظاهر.
من الصعب شرح سبب جاذبيته.
فهو لا يروي قصة واضحة، ولا يمنحك مهمة، ولا يحتاج منك إلى فعل أي شيء. عليك فقط أن تشاهد، وتسمح للصورة بأن تسحبك من طبقة إلى أخرى.
هناك شيء مهدئ في الاستسلام لهذا التدفق البصري.
نقضي معظم يومنا نحاول السيطرة على ما نراه: نمرر الشاشة، ونتجاوز المقاطع، ونغلق الإعلانات، ونختار السرعة، ونقرر ما يستحق انتباهنا.
أما هنا، فلا شيء مطلوب منك سوى أن تترك اللوحة تقودك.
بعد دقائق، يبدأ الوقت نفسه في فقدان حدوده. تنظر إلى الشاشة وتقول إنك ستغادر بعد المشهد التالي، ثم يظهر ممر آخر، وباب آخر، وعالم آخر.
وهكذا تكتشف أن عبارة «المشهد التالي» لا معنى لها في لوحة لا تنتهي.
Pixel Thoughts: ضع قلقك داخل نجمة
الإنترنت ليس صاخبا دائما. أحيانا يكون لطيفا على نحو هادئ.
يطلب منك Pixel Thoughts كتابة فكرة تقلقك أو تضغط عليك. تظهر الفكرة داخل نجمة في وسط الشاشة، ثم تبدأ رحلة قصيرة مدتها ستّون ثانية، تتضاءل خلالها النجمة تدريجيا حتى تصبح نقطة صغيرة وسط فضاء واسع.
لا يحل الموقع المشكلة. ولا يدعي أن كل مخاوفنا أوهام يمكن تبديدها بحركة بصرية.
هناك مشكلات حقيقية تستحق القلق والعمل والمواجهة، ولا يمكن اختزالها في تمرين يستغرق دقيقة واحدة.
لكن ما يفعله الموقع هو تغيير حجم الفكرة، ولو مؤقتا
حين نكون داخل المشكلة، تبدو وكأنها تملأ الشاشة بأكملها. لا نرى خلفها شيئا، ولا نتذكر أن العالم أوسع منها، وأن حياتنا تحتوي على أشياء أخرى لم تختف لمجرد أن فكرة مزعجة قررت احتلال مقدمة المشهد.
ثم تبدأ النجمة في الابتعاد. تصغر الفكرة قليلا.ثم أكثر.
وفي النهاية تراها معلقة كنقطة صغيرة داخل فضاء لا يكاد ينتهي.
هناك شيء متواضع ومريح في هذا المشهد. فهو لا يقول إن ما يزعجك تافه، بل يذكّرك بأن الإحساس بحجم المشكلة ليس دائما مقياسا دقيقا لحجمها الحقيقي.
تذكرت عبارة قرأتها منذ زمن:
إن كان الأمر لن يعني لك الكثير بعد خمس سنوات، فربما لا يستحق أن تحرم نفسك النوم بسببه الليلة.
ليست قاعدة تصلح لكل شيء بالطبع. لكن بعض الأفكار التي تبقينا مستيقظين لا تحتاج إلى حل فوري بقدر ما تحتاج إلى مسافة.
وأحيانا تكون ستّون ثانية من الهدوء كافية لصنع هذه المسافة.
دفاعا عن الإنترنت الذي لا يفيدنا
لا ينبغي للإنترنت أن يعلمنا شيئا في كل مرة نفتحه فيها. ليس مطلوبا منه دائما أن يجعلنا أكثر إنتاجية، أو أكثر كفاءة، أو أقرب إلى تحقيق أهدافنا.
وليس ضروريا أن تتحول كل دقيقة نقضيها على الشاشة إلى استثمار في مستقبلنا المهني.
أحيانا، يكفي أن يكون الإنترنت ممتعا. أن يكون غريبا، ومبدعا، وعبثيا، ولطيفا بلا مناسبة.
هذه المواقع تذكرنا بزمن كانت فيه الشبكة تبدو أقل شبها بمركز تجاري ضخم، وأكثر شبها بمدينة صنع كل شخص فيها غرفة غريبة، ثم ترك بابها مفتوحا للمارّة.
لم يكن كل شيء محسوبا وفق معدل التفاعل، ولم تكن كل تجربة مصممة لإبقائك داخل المنصة أطول مدة ممكنة. كان بعض الناس يصنعون الأشياء لأنهم أحبوا الفكرة، أو لأنهم أرادوا معرفة إن كانت قابلة للتنفيذ، أو لأنهم تخيلوا أن شخصا غريبا في الطرف الآخر من العالم قد يبتسم حين يراها.
وهذا سبب كاف.
لا يزال هذا الإنترنت موجودا، وإن اختبأ تحت طبقات الإعلانات والتوصيات والمحتوى المحسّن لمحركات البحث.
لا تزال هناك زوايا صغيرة صنعها أشخاص لم يريدوا بيعك دورة تدريبية، ولم يطلبوا منك الاشتراك في نشرة بريدية قبل أن يسمحوا لك بالضحك.
كل ما أرادوه أن تضغط زرا، أو تحرك مؤشرا، أو تستمع إلى أغنية قديمة، أو تشاهد لوحة تبتلع نفسها إلى الأبد.
ربما لا تغير هذه المواقع حياتك.
لكنها قد تغير مزاجك لخمس دقائق.
وفي بعض الأيام، تكون تلك الخمس دقائق أكثر فائدة من كل النصائح التي يعدك أصحابها بأنها ستغير حياتك.



