منذ آلاف السنين، والحضارات تشق الطرق وتمد الجسور. اخترعت البريد، ثم الهاتف، ثم الإنترنت. حتى أصبح بإمكان إنسان وحيد في حجرته أن يكلم مئات الغرباء في لحظة واحدة، وهم في أطراف الأرض.
ظننا أننا سنطرد الوحدة إلى الأبد. لكن التكنولوجيا أوقعتنا في مفارقة لم تخطر ببال أحد: أن يستقبل الإنسان مئات الرسائل في أسبوع، ثم يضع رأسه على الوسادة في الليل، فيشعر بوحدة حارس منارة لا يرى أمامه غير البحر.
نحن متصلون طوال الوقت، ولكن الشعور بالوصول نادر. نعرف أين سافر فلان، وماذا أكل فلان على الفطور، وأي كتاب يقرأه فلان، ونعرف كل أخبار الحروب والمشاهير، ونشاهد مقاطع القطط ومشاجرات الغرباء، وكل ذلك قبل أن ننهض من فراشنا.
ومع هذا الفيض، يبقى في الصدر شعور خفي بأن شيئاً جوهرياً ينقصنا. ربما لأننا لم نعد نعيش مع الناس، بل نراقبهم. ولم نعد نتحدث إليهم، بل نتبادل الإشارات.
وصرنا نعلن موقفنا من الحدث قبل أن نفهمه، وكأننا نركض خلف خبر لا نعرف وجهته.
لهذا بدأ بعض الناس ينسحبون بهدوء.
لا يكتبون بيانات الوداع، ولا يصرحون بأنهم في “رحلة تعافي”، ولا يهربون إلى كوخ في الجبل ليضيئوا الشموع ويكتبوا المذكرات.
هم لا يكرهون الإنترنت، لكنهم تعبوا من ترك أبواب عقولهم مفتوحة لكل عابر، ولكل ريح، ولكل غبار.
الانهيار الذي لا نسمع له صوتاً
ليس للإنترنت وقْع الصاعقة. لو استيقظ الإنسان ذات صباح وعجز عن قراءة ثلاث صفحات متتالية، أو عن مشاهدة فيلم دون أن يلمس هاتفه عشر مرات، لأدرك فوراً أن هناك خللا ما. لكن تآكل الانتباه يأتي كالماء ينساب تحت الجدار، لا تراه حتى تتبلل الأرض كلها.
يبدأ الأمر بإشعار هنا. ثم يصير الهاتف جليساً إلى جانب الكتاب. ثم نشاهد المسلسل، ونقرأ في الوقت نفسه تعليقات من يشاهدونه معنا. وبعد حين، لا تكفي شاشة واحدة، بل نطلب شاشة أخرى، وصوتاً قصيراً يملأ الصمت بين المشاهد، ومؤشراً يطمئننا أن الدنيا لم تقف أثناء غيابنا.
الناس قديماً كانوا يشاهدون الفيلم. أما اليوم، فكثيرون يشاهدون انطباعاتهم عن الفيلم، وكأنهم يرقبون أنفسهم من خلف زجاج، يتساءلون: ماذا سأكتب؟ هل سيوافقني الآخرون؟ هل فاتني معنى خفي؟
حتى الراحة تحولت إلى نوع من العمل الإدراكي المتعدد. وهذه هي براعة ثقافة الإنترنت: إنها لا تجعل الإرهاق يبدو كإرهاق، بل تقدمه في صورة تسلية واتصال ومواكبة لما يجري.
لا يقول التطبيق: اسمح لي بتقطيع انتباهك إلى عشرات الأجزاء، بل يقول: لديك إشعار جديد.
المشكلة ليست في الإنترنت
ولا تظن أنني الآن أكتب ضد الهواتف والإنترنت، أو أن الماضي كان فردوساً ناضجاً لا شائبة فيه وكأن البشر قبل ظهور شبكات التواصل كانوا يعيشون في سلام نفسي عميق.
هذا وهم.
الإنترنت وسع المعرفة، وجمع شمل الأصدقاء والعائلات، وأعطى صوتاً لمن كانوا صامتين. بل يقول الباحثون إن له أثراً طيباً على النفس في كثير من الأحيان.
المشكلة، إذن، ليست وجود الإنترنت. المشكلة في ثقافة الإنترنت التي نشأت حوله.
ثقافة تريد منا أن نكون حاضرين في كل لحظة، وأن نرد كالصدى، وأن نقيس قيمة الإنسان بعدد ظهوره.
ولذلك تدخل لتقرأ رسالة، فتخرج بعد أربعين دقيقة تعرف تفاصيل خصومة بين غريبين، وسعر شيء لا تريده، وسبع علامات على مرض في طفولتك، وتظل الرسالة الأصلية بلا جواب.
الإنترنت أداة.
أما ثقافة الإنترنت فهي مجموعة من العادات والإيقاعات والتوقعات التي تجعلنا نستخدم الأداة أحياناً بطريقة تناقض ما نريده فعلاً من حياتنا.
حين أصبح الانتباه أغلى من النفط.
قامت إمبراطوريات الأمس على الذهب والنفط. أما إمبراطوريات اليوم فتقوم على شيء أثمن: انتباه الإنسان. كل دقيقة تقضيها على المنصة تتحول إلى سلعة، وإعلان، وتوقع لخطوتك التالية. والتمرير لا ينتهي، لأن النهاية تمنحك سبباً للمغادرة. والإشعارات تصرخ بألوانها وإشاراتها، لأن النداء الهادئ قد يُتجاهل. والمحتوى الذي يثير الغضب أو الخوف أو الدهشة ينتشر أسرع، لأنه يدفعنا إلى التفاعل قبل أن يمنحنا فرصة للتفكير.
كل تطبيق يهمس بطريقته: اغضب، اخشَ، قارن، اضحك، اشترِ، أصلح حياتك قبل أن يفوت الأوان.
الإشعار يستغرق ثانية.
لكن العودة الكاملة إلى الفكرة التي كنت تعمل عليها قد تحتاج وقتًا أطول بكثير.
وهكذا لا يسرق الإنترنت ساعاتنا دائماً في صورة كتلة واحدة واضحة، بل يأخذها على هيئة شظايا صغيرة يصعب حسابها.
عقل مزدحم… لا عقل مطّلع
أوهمتنا ثقافة الإنترنت أن التعرض المتكرر للمعلومة هو المعرفة ذاتها. نمر على المفاهيم كالمارة على واجهات المحلات، نعرف أسماءها، لكننا لا ندخلها، ولا نعرف ما وراء جدرانها. نستمع إلى البودكاست ونقرأ التلخيصات، فنشعر أننا نتعلم، ولكننا لا نمنح العقل مهلةً كافية ليمضغ ما التقطه. نعرف القليل عن كل شيء، ولا نعرف الكثير عن شيء واحد.
تنتقل العين من تحليل سياسي إلى وصفة طعام، ثم إلى مأساة إنسانية، ثم إلى حذاء جديد، ثم إلى نكتة. وكل ذلك خلال دقائق. والعقل يجمع ولا يهضم، يستقبل ولا يستوعب.
قد يشرح لك شاب خمسة مصطلحات نفسية تعلمها من مقاطع قصيرة، لكنه يعجز عن الجلوس مع نفسه ربع ساعة ليفهم لماذا قلقه لا يفارقه. وقد يستمع إلى عشرات الحلقات عن النجاح، من دون أن يبدأ عملاً واحداً يحتاج إلى الصبر والملل والتكرار.
فالمعرفة ليست لقاءً عابراً مع المعلومة. هي توقف، وربط، وتساؤل، ونسيان جزئي، ثم عودة. والإنترنت يكافئ السرعة قبل العمق، والرد قبل التأمل، والحضور قبل النضج. أعلى الأصوات ليست أكثرها معرفة، بل أكثرها تكيفاً مع قوانين جذب العيون.
والأعجب من هذا، أن الحياة نفسها صارت تُعاش على خشبة مسرح. لا تكتمل الوجبة حتى تتحول صورة، ولا تكتمل الرحلة حتى تُعرض دليلاً على أننا استمتعنا. حتى الحزن يدخل الاستوديو، تُضبط له الإضاءة، وتُوضع له الموسيقى، ثم يُقدم إلى الجمهور في نسخة قابلة للمشاركة.
لا أقول إن كل مشاركة زائفة، فالبشر حكوا أحزانهم وأفراحهم منذ القدم. ولكن الخلل أننا صرنا لا نعرف كيف نشعر بشيء قبل أن نسأل: كيف سيبدو هذا أمام الآخرين؟
هل أحببنا الرحلة، أم أحببنا صورها؟ هل عبرنا عن رأينا، أم خفنا أن نموت في صمت فنضطر إلى إثبات حضورنا؟
كان لي صديق، اختفى ذات يوم من شبكات التواصل. لم يكتب وداعاً، ولم يقل إنه يختار نفسه، ولم يعلق مربعاً أسود. توقف عن النشر فحسب. لدرجة أن بعضهم ظن أنه مات، لأن الصمت الرقمي صار في نظرنا أشبه بالغياب عن الحياة.
حين التقيته بعد شهور، بدا هادئاً. لم يتحول إلى فيلسوف، ولا يرتدي ثياب الكتان، ولا يتحدث بالأمثال. كان فقط حاضراً. حين تحدثت، لم تكن عيناه تهبطان نحو هاتف مقلوب على الطاولة. وحين ساد الصمت بيننا، لم يسارع إلى ملئه بالشاشة.
سألته: هل تفتقد شيء ما؟
قال: «كنت أظن أنني أحتاج بعض التطبيقات الاجتماعية لأعرف ما يدور في الدنيا. وبعد أن ابتعدت، عرفت أن أكثر ما نسميه متابعة للأحداث، ليس إلا أشخاصاً يتحدثون بحماسة عن أشياء لا تستحق كل هذه الحماسة».
لقد خسر بعض الأخبار، ولم يعد يعرف كل موضوع رائج. لكنه استعاد شيئاً كان مفقوداً: ماذا يفكر هو، بعيداً عن سيل ما ينبغي أن يفكر فيه.
لماذا ينسحب الناس؟
لا ينسحب الناس لأنهم أرفع منزلة أو أذكى. ينسحبون حين يكتشفون التناقض: معلومات أكثر، وتركيز أقل. وسائل اتصال أكثر، ومحادثات أضعف. يرون حياة المئات، ولا ينتبهون لمن يجلس أمامهم. يصلون إلى كل شيء، ولا يشعرون أنهم موجودون في مكانهم.
عندها، يبدأ الانسحاب. ليس ثورة، بل قرارات صغيرة: يكفون عن نشر كل فكرة فور ولادتها. لا يدخلون كل معركة رقمية، خاصةً مع حساب مجهول صورته كرتونية. يعيدون الهاتف إلى الجيب أثناء الحديث. يقرأون مقالات لا تختصر نفسها في ثلاث نقاط. ويشاهدون فيلماً واحداً على شاشة واحدة.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نجعل الانقطاع الرقمي موضة جديدة لتحسين الذات. فالانسحاب الكامل ليس دواءً سحرياً. أ
قد يمنحك ترك المنصات شيئاً من الراحة، ولكنه قد يأخذ منك شيئاً من المعرفة. وبعض الدراسات اكتشفت أن إيقاف الإشعارات نهائياً قد يزيد القلق لدى البعض، بينما تجميعها في أوقات محددة يخفف التوتر.
إذن، المشكلة ليست في أن نغادر الإنترنت. المشكلة أن ندخله بلا نية، ونبقى فيه بلا حدود. ألا نكون كالماء الجاري يأخذنا التيار أينما شاء، بل كمن يعرف متى يدخل ومتى يخرج، ولماذا دخل من الأساس.
من الاستخدام التلقائي إلى الاستخدام المقصود
فرق شاسع بين أن تفتح الهاتف لتتحدث إلى صديق، وبين أن تمد يدك إليه قبل أن يدري عقلك لماذا. فرق بين أن تبحث عن شيء تعرفه، وبين أن تتنقل من رابط إلى رابط حتى تنسى ما الذي جاء بك إلى هنا. وفرق بين أن تشاهد مقطعاً اخترته، وبين أن تستسلم لسيل من المقاطع اختارتك هي، ولم تسألك.
العبرة ليست بعدد الساعات التي نقضيها أمام الشاشة، بل بمن يملك زمام هذه الساعات. هل أنت من يقرر متى تبدأ ومتى تتوقف، أم أن المنصة هي التي تملك عجلة القيادة؟
لهذا، ربما لا تحتاج إلى حذف حساباتك كلها، ولا إلى التوبة الرقمية التي تبدأ بخطبة حماسية وتنتهي بعد أسبوع. قد تكفيك خطوات صغيرة: أن تخرج التطبيقات من غرفة النوم، وأن تلغي الإشعارات التي لا تحمل خبراً يخصك، وأن تجعل للمنصات وقتاً تأتي فيه إليها، لا أن تبقى أبوابك مشرعةً لها طوال النهار.
واستعد بعض الأنشطة التي لا تحتمل المقاطعة: المشي، القراءة على مهل، الحديث وجهاً لوجه، أو حتى الجلوس بلا مهمة واضحة. قد لا تبدو هذه الأشياء “مُنتجة” في نظر العصر، ولكن العقل لا يستطيع أن يظل منتجاً ما لم نمنحه رخصةً لأن يكون، بين الفينة والفينة، غير منتجٍ بتاتاً.
الصمت رفاهية نادرة
كان الصمت في القديم هو الأصل، والضجيج هو الطارئ. أما اليوم، فصار الصمت رفاهية يحتاج المرء إلى أن يحميها بيديه. أن تجلس عشر دقائق دون أن يصل إليك صوت أو رأي أو خبر، صار أمراً أشبه بالمعجزة.
وحين يعتاد العقل على الضجيج، يأتيه الصمت في البداية ثقيلاً، كأنه ضيف ثقيل الظل. ذلك أننا حين نسكت، نلتقي فجأة بكل ما كنا نؤجله بالتمرير: الأفكار الناقصة، والقلق المؤجل، والأسئلة المزعجة، والوحدة الحقيقية التي لا تخدرها شاشة مضيئة.
لكن من رحم هذا الصمت نفسه، يبدأ التفكير. حين لا تكون مشغولاً بالرد، تستطيع أن تفهم. وحين لا ترى حياة الآخرين باستمرار، يحق لك أن تسأل: كيف تبدو حياتي أنا؟ وحين لا يلقمك أحد فكرة جديدة كل ثماني ثوان، تمنح الفكرة الواحدة فرصة أن تكبر وتنضج، بدلاً من أن تُقلع من جذورها كلما مرت سحابة عابرة.
لهذا، يبدو المنسحبون أقل انفعالاً مع الأيام. ليس لأن العالم توقف عن إزعاجهم، بل لأن خوارزمية لم تعد تمسك بمشاعرهم كالطفل الذي يجرّ لعبةً بعجلة مكسورة، فيشدها يميناً وشمالاً. يقرؤون أطول، ويصغون أعمق، ويتأخرون قليلاً في تكوين الرأي. وهذه العادة الأخيرة، تكاد تبدو اليوم نوعاً من العصيان المدني الخفيف.
العودة التي تشبه الغياب
تنظر ثقافة الإنترنت إلى من يقل حضوره الرقمي وكأنه بدأ يفوّت قطار الحياة. لم يعد يعرف النكات الطازجة، ولم يشاهد المقطع الذي يتحدث عنه الكل، ولم يشارك في الغضب الجماعي للأسبوع، وقد لا يعرف لماذا يتشاجر الملايين حول جملة قالها شخص لا يعرف اسمه.
لكنه قد يكون، في تلك اللحظة، جالساً إلى صديق يسمعه حقاً. أو يقرأ كتاباً ولا يقيس الوقت المتبقي لإنهائه. أو يمشي في شارع يعرفه منذ سنين، فيفاجأ بمحل لم ينتبه إليه قط. أو تمر به لحظة جميلة، فيتركها تمر، دون أن يفسدها السؤال الآلي: “هل أنشر هذا؟”.
هو لا يفوّت الحياة. ربما عاد إليها للتو.
ما زال يستخدم الخرائط إذا ضلّ الطريق، ويرسل الرسائل لمن يحب، ويقرأ الخبر الموجز، ويضحك من المقطع السخيف بين الحين والآخر. لم يهرب إلى كهف، ولم يبدأ في عدّ حبات التمر قرب نبع ماء. كل ما في الأمر أنه توقف عن التطوع بجهازه العصبي للاستخدام العام. لم يعد يمنح كل تطبيق حق مقاطعته، ولا كل حدث حق إغضابه، ولا كل غريب حق الدخول إلى رأسه دون استئذان.
في عصر يتصارع فيه الكل على امتلاك انتباهك، قد لا يكون أذكى القرارات أن تختفي من الإنترنت تماماً، بل أن تبقى فيه، دون أن تسمح له بأن يستقر في داخلك. أن تستخدمه حين تحتاج إليه، ثم تغلق الباب خلفك. أن تعرف ما يحدث في العالم، دون أن تحمل العالم كله على كتفيك طوال اليوم.
وتذكر، في خضم هذا الاتصال الهائل، أن الحياة لم تكن يوماً مجرد ما يمرّ على الشاشة.
الحياة هي ما كان يدور حولك، هناك، في الظل، بينما كنت تنظر إلى الضوء.



