لماذا لا يستطيع الذكاء الاصطناعي التنبؤ بنتائج مباريات كرة القدم بدقة؟

نتائج المباريات

في كأس العالم 2026، أصبح من الممكن تسجيل أكثر من 150 مليون نقطة تتبع في مباراة واحدة بواسطة 16 كاميرا بصرية تراقب اللاعبين وحركة الكرة. وفي البطولة نفسها، استخدمت المنتخبات الـ48 نظام Football AI Pro الذي يجمع بيانات المباريات والفيديو والتتبع ثلاثي الأبعاد ويحللها بواسطة الذكاء الاصطناعي.

فكر في الرقم للحظة.

150 مليون نقطة بيانات خلال 90 دقيقة.

نحن نعرف أين يقف اللاعب، وإلى أين يتحرك، وبأي سرعة. نستطيع تسجيل التمريرات والتسديدات والضغط والمساحات وتحركات اللاعبين من دون كرة، بل وحتى إعادة أجزاء من المباراة في بيئة ثلاثية الأبعاد.

ومع ذلك، قبل أن تبدأ المباراة التالية، يبقى سؤال يبدو بسيطاً بصورة محيرة

من سيفوز؟

هنا تبدأ مشكلة الذكاء الاصطناعي مع كرة القدم.

فالخوارزمية تستطيع أن تخبرك أن فريقاً يملك فرصة فوز تبلغ 52%، وأن احتمال تسجيل الفريقين مرتفع، وأن المهاجم حصل في مبارياته الأخيرة على فرص أفضل من المعتاد. لكنها لا تستطيع أن تعرف أن مدافعاً سيفقد توازنه في الدقيقة 17، أو أن كرة ستصطدم بقدم لاعب وتغير اتجاهها، أو أن مهاجماً سيهدر فرصة يسجل منها عادة.

وهذا فرق جوهري.

الذكاء الاصطناعي جيد جداً في قياس الاحتمالات. لكنه ليس آلة لمعرفة المستقبل.

لماذا لا يستطيع الذكاء الاصطناعي توقع مباريات كرة القدم؟

علينا أولاً أن نتفق على معنى كلمة توقع.

إذا كان المقصود تحديد الاحتمال الأقرب للفوز أو التعادل أو الخسارة، فالذكاء الاصطناعي والنماذج الإحصائية قادران بالفعل على تقديم تقديرات مفيدة في بعض الأحيان.

أما إذا كان المقصود معرفة النتيجة التي ستحدث فعلاً قبل المباراة، فالإجابة مختلفة تماماً.

لا يوجد نموذج ذكاء اصطناعي في العالم يمكنه ضمان ذلك أو معرفة النتيجة أو احتمالاتها النهائية بدقة.

الأبحاث الحديثة في توقع نتائج كرة القدم تستخدم كل شيء تقريباً، تصنيفات قوة الفرق، نتائج المباريات السابقة، بيانات اللاعبين، الأهداف المتوقعة، نماذج بواسون، التعلم الآلي والشبكات العصبية. ورغم التطور الهائل، لا يزال اختيار الخوارزمية الأفضل أو إضافة المزيد من البيانات يؤدي غالباً إلى تحسينات محدودة، وليس إلى اختفاء عدم اليقين.

المشكلة ليست أن أجهزة الكمبيوتر ضعيفة.

المشكلة أن المباراة نفسها ليست مسألة رياضية لها إجابة مخفية تنتظر أن نجدها.

إنها حدث يتشكل أثناء حدوثه. وهذا فرق كبير.

كرة القدم ليست الشطرنج

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح مرعباً في لعبة مثل الشطرنج، لأن العالم الذي يعمل داخله واضح.

هناك رقعة محددة. قطع محددة. قوانين ثابتة. وكل حركة ممكنة يمكن تمثيلها بدقة داخل النظام.

كرة القدم شيء آخر تماماً.

22 لاعباً يتحركون بصورة مستمرة في مساحة مفتوحة، ويتخذ كل واحد منهم قراراته استناداً إلى قرارات الآخرين، بينما تتغير الخطة والضغط والمساحات والإرهاق والنتيجة والحالة النفسية خلال المباراة نفسها.

تمريرة واحدة قد تغير شكل الهجمة. هدف واحد قد يغير شكل المباراة كلها. وبطاقة حمراء قد تجعل البيانات التي جمعتها عن الفريق طوال الموسم أقل فائدة خلال ثانية واحدة.

الباحثة سارة رود، التي قادت في السابق قسم التحليلات في أرسنال، كانت من الرواد في محاولة تحويل هذه الفوضى إلى أرقام. استخدمت في أعمالها المبكرة سلاسل ماركوف لتقدير القيمة التي تضيفها أفعال اللاعبين وما قد يحدث بعد كل حالة من حالات اللعب.

الفكرة جميلة، ما سيحدث تالياً يعتمد جزئياً على الحالة الحالية.

وهذا صحيح. لكنه لا يخبرنا بكل شيء.

لأن اللاعب ليس رقماً على لوحة. والخصم لا ينتظر حتى تتنبأ به.

إنه يحاول التنبؤ بك أيضاً.

المشكلة الأولى: الأهداف قليلة… ولهذا يصبح الحظ كبيراً

هذه واحدة من أهم خصائص كرة القدم التي تجعل توقع نتائجها صعباً.

الأهداف أحداث نادرة نسبياً.

تشير StatsBomb إلى أن معظم الدوريات تشهد في المتوسط نحو 2.5 إلى 3 أهداف فقط في المباراة، ولذلك يكون للتباين دور كبير في النتائج.

تخيل مباراة يسدد فيها فريق 18 مرة ويسدد خصمه خمس مرات فقط.

الأول قد يكون الأفضل في كل شيء تقريباً.

لكن ماذا لو اصطدمت إحدى تسديداته بالقائم، وتصدى الحارس لفرصة أخرى، بينما تحولت تسديدة ضعيفة للفريق المنافس بعد اصطدامها بمدافع إلى هدف؟

تنتهي المباراة 1-0.

هل النموذج أخطأ؟

ليس بالضرورة.

قد يكون قد توقع بصورة صحيحة أن الفريق الأول أكثر احتمالاً للفوز.

لكن الأكثر احتمالاً لا يعني أنه ما سيحدث دائماً.

لو امتلك فريق ما فرصة فوز تبلغ 70%، فهذا يعني أيضاً أن هناك 30% من الحالات التي لن يفوز فيها.

وعندما نعيش مباراة واحدة فقط، لا نحصل على فرصة لإعادة تشغيلها 100 مرة حتى تظهر النسب الحقيقية.

نحصل على نسخة واحدة.

وهذه النسخة قد تكون الغريبة.

لهذا السبب لا يعني xG أن فريقاً “كان يجب أن يفوز”

من أكثر الأرقام استخداماً في التحليل الحديث الأهداف المتوقعة أو xG.

لكن حتى هذا المصطلح يُساء فهمه باستمرار.

xG لا يتوقع النتيجة النهائية للمباراة. إنه يقدر احتمال تحول تسديدة معينة إلى هدف استناداً إلى آلاف أو ملايين التسديدات المشابهة تاريخياً.

إذا كانت فرصة ما تساوي 0.20 xG، فهذا لا يعني أن اللاعب سجل 0.2 هدف بالطبع. يعني ببساطة أن فرصاً مشابهة تحولت تاريخياً إلى أهداف في نحو 20% من الحالات.

وهنا تكمن المفارقة.

قد يصنع فريق ثلاث فرص ممتازة ولا يسجل.

وقد يسدد خصمه كرة واحدة من مكان سيئ فتدخل الزاوية العليا.

على المدى الطويل، تساعد بيانات xG كثيراً في معرفة جودة الفريق الحقيقية؛ بل إنها أكثر فائدة في توقع الأداء المستقبلي من الاعتماد على عدد الأهداف الحالي وحده.

لكن المباراة الواحدة لا تعيش في المدى الطويل.

وهذه هي المشكلة كلها تقريباً.

المزيد من البيانات لا يزيل الفوضى

لفترة طويلة كان الحلم بسيطاً، إذا استطعنا تتبع كل لاعب وكل حركة، فسنفهم كرة القدم أخيراً.

ثم حصل المحللون على بيانات التتبع.

ولم تختف المشكلات.

هذا ما أشارت إليه سارة رود لاحقاً عندما تحدثت عن الاعتقاد بأن الوصول الواسع إلى بيانات حركة اللاعبين سيحل ألغاز اللعبة؛ حدث ذلك بالفعل، لكن الأسئلة بقيت. كما أعادت تقييم نماذجها المبكرة التي قسمت الملعب إلى مربعات متساوية، لأن المساحات المهمة في كرة القدم لا تتصرف بهذه البساطة ولا تتطابق دائماً مع الخطوط المرسومة على العشب.

وهذه نقطة مهمة جداً في عصر الذكاء الاصطناعي.

البيانات ليست المباراة نفسها. إنها وصف للمباراة.

قد يعرف النظام أن لاعباً تحرك سبعة أمتار إلى اليسار.

لكن لماذا فعل ذلك؟ هل كان يسحب المدافع؟ هل تلقى تعليمات من المدرب؟ هل شعر بألم عضلي؟ هل رأى مساحة ستظهر بعد ثانيتين؟

قد تسجل الكاميرا الحركة بدقة مذهلة، بينما يبقى معناها أكثر تعقيداً.

أظهرت دراسات لحركة اللاعبين كيف يمكن لمشي اللاعب ليونيل ميسي البطيء، الذي قد يبدو للمشاهد وكأنه ابتعاد عن اللعب، أن يساعده في الانتقال إلى مساحات ذات قيمة والتأثير على شكل دفاع الخصم.

الخوارزمية ترى لاعباً يمشي.

المحلل الجيد يسأل ماذا يفعل هذا المشي بالدفاع؟

والفرق بين السؤالين هو جوهر تحليل كرة القدم.

ثم هناك مشكلة أسوأ – الفرق تتغير لأنها تعرف أنك تراقبها

لو كانت فرق كرة القدم آلات تكرر السلوك نفسه أسبوعاً بعد أسبوع، لكان التنبؤ أسهل بكثير.

لكن المدربين يشاهدون المباريات أيضاً.

يدرسون الخصوم. ويغيرون خططهم.

الفريق الذي ضغط عالياً في عشر مباريات قد يتراجع أمام خصم معين. الظهير الذي كان يتقدم باستمرار قد يُطلب منه البقاء خلف الكرة. المهاجم الأساسي قد يبدأ على مقاعد البدلاء. لاعب وسط قد يتحول إلى مركز مختلف تماماً.

وفي كرة القدم يمكن أن تعمل أفكار متناقضة.

يمكنك الفوز بالاستحواذ. ويمكنك الفوز من دونه. يمكنك الضغط في ملعب الخصم. ويمكنك انتظار الخصم ثم ضربه بالهجمات المرتدة.

ولعل أفضل مثال على هذه الفوضى هو أن اثنين من أنجح العقول في تاريخ اللعبة يمكن أن ينطلقا من فكرتين تكاد إحداهما تنفي الأخرى.

يوهان كرويف كان يرى أن كرة القدم تبدأ من امتلاك الكرة؛ فاللاعب، في فلسفته، يحتاج الكرة عند قدميه حتى يفرض سيطرته على المباراة.

في الجهة المقابلة تماماً يقف جوزيه مورينيو المدرب البرتغالي المشاكس، الذي عبر عن فلسفته ذات مرة بفكرة بسيطة، الفريق الذي يملك الكرة هو أيضاً الفريق الذي يحمل عبء الخطأ. لذلك فضلت بعض أفضل فرقه الانتظار، إغلاق المساحات، ثم الانقضاض عندما يرتكب الخصم هفوته. الغريب أن المدرستين نجحتا.

وهنا بالضبط تتعقد مهمة أي نموذج تنبؤي، إذا كان بإمكان طريقتين متعارضتين تماماً أن تقودا إلى الفوز، فأي واحدة منهما يجب أن تعتبرها الخوارزمية “الصحيحة”؟

وصفت رود هذه المشكلة بتشبيه بسيط، كرة القدم مثل محاولة تغطية نفسك ببطانية أقصر من اللازم. عندما تحل مشكلة في جانب، قد تكشف جانباً آخر؛ الضغط العالي مثلاً يمنحك شيئاً لكنه يجعلك تدفع ثمناً في مكان آخر.

وهذا يجعل فكرة وجود وصفة رياضية للفوز أكثر هشاشة مما تبدو.

وهناك أشياء لا يعرفها النموذج أصلاً

مهما كانت قاعدة البيانات ضخمة، ستظل هناك متغيرات ناقصة.

إصابة طفيفة لم يُعلن عنها. تغيير تكتيكي قرره المدرب صباح المباراة. إرهاق لاعب. حالة أرضية الملعب. مواجهة فردية سيئة.

والأهم من هذا كله قرار تحكيمي مثير للجدل.

هل يعني هذا أن الذكاء الاصطناعي عديم الفائدة في كرة القدم؟

العكس تماماً.

ربما تكون محاولة استخدام الذكاء الاصطناعي لمعرفة نتيجة المباراة هي أقل الطرق إثارة للاهتمام لاستخدامه.

قيمته الحقيقية تظهر عندما نطلب منه أسئلة أفضل.

كيف يكسر فريق معين الضغط؟

أي لاعب يخلق مساحات لزملائه حتى عندما لا يلمس الكرة؟

من أين تأتي أخطر فرص الخصم؟

كيف تتغير المسافات بين خطوط الفريق بعد فقدان الكرة؟

وأي نوع من الفرص يستقبلها الدفاع باستمرار؟

هذا بالضبط هو الاتجاه الذي تتحرك نحوه الأدوات الاحترافية الحديثة.

في كأس العالم 2026، لم يكن الهدف الأساسي من Football AI Pro أن يخبر المنتخب بما ستكون عليه النتيجة، بل أن يمكّن المحللين والمدربين من الاستعلام عن بيانات الأحداث والتتبع والفيديو والحصول على رؤى تكتيكية وتقارير أكثر سرعة. FIFA تقول إن جميع المنتخبات الـ48 استخدمت الأداة خلال البطولة.

وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر إثارة للاهتمام.

ليس عرّافاً.

بل مجهر.

وحتى أفضل نموذج يجب أن يقول “لا أعرف” أحياناً

المفارقة أن النموذج الجيد ليس النموذج الذي يدعي الثقة دائماً.

بل النموذج الذي يعرف مقدار عدم يقينه.

عندما يخبرك نظام أن فريقاً لديه فرصة فوز 55% مقابل 25% للتعادل و20% للخسارة، فهو لا يقول

الفريق سيفوز

هو يقول

استناداً إلى المعلومات التي أملكها والحالات التي رأيتها من قبل، هذا هو توزيع النتائج الذي يبدو منطقياً

وتقييم نماذج كرة القدم بصورة صحيحة يجب أن ينطلق من هنا.

ليس السؤال كم مباراة خمن نتيجتها؟

بل، هل كانت احتمالاته معايرة جيداً؟

إذا وصف 100 حدث مختلف بأنها تملك احتمالاً قدره 70%، فهل حدثت فعلاً في نحو 70 حالة؟

هذه هي اللغة الحقيقية للتنبؤ الاحتمالي.

وهي أقل إثارة من عبارة الذكاء الاصطناعي توقع النتيجة، لكنها أكثر صدقاً بكثير.

لماذا ستظل كرة القدم أصعب من أن تتحول إلى معادلة؟

ربما لأننا نطلب من البيانات أحياناً أكثر مما تستطيع تقديمه.

يمكنها اكتشاف الأنماط.

يمكنها قياس أشياء لا تراها العين بسهولة.

ويمكن للذكاء الاصطناعي اليوم التعامل مع كم من المعلومات لم يكن فريق كامل من المحللين قادراً على معالجته قبل سنوات قليلة.

لكن معرفة الماضي بالتفصيل لا تعني امتلاك المستقبل.

هذه ليست مشكلة سيحلها بالضرورة نموذج أكبر أو 100 مليون نقطة بيانات إضافية.

إنها جزء من طبيعة اللعبة نفسها.

كرة القدم منخفضة التسجيل، متغيرة، تفاعلية، ومليئة بسلاسل من الأحداث تعتمد بعضها على بعض. الدراسات التي تحاول التنبؤ بالمباراة أثناء اللعب تصف هذه المهمة نفسها بأنها صعبة بسبب قلة الأهداف وكثرة التعادلات والحاجة إلى تحديث الاحتمالات باستمرار مع تغير حالة المباراة.

والأهم أن اللاعبين أنفسهم يغيرون المستقبل الذي نحاول توقعه.

هذه ليست ذرات تتحرك وفق قوانين ثابتة.

إنهم بشر.

ولهذا يمكن لنموذج أن يعرف أن التسديدة سيئة… ثم يشاهدها تدخل المرمى.

يمكنه أن يعرف أن فريقاً أقوى… ثم يشاهده يخسر.

ويمكنه أن يحلل ملايين النقاط في الملعب دون أن يعرف من سيسجل الهدف التالي.

ربما هذا ليس فشلاً للذكاء الاصطناعي أصلاً.

ربما هو مجرد وصف دقيق لكرة القدم.

لعبة يمكن للبيانات أن تساعدنا على فهمها أكثر من أي وقت مضى، لكنها لا تزال ترفض أن تخبرنا كيف ستنتهي.

مهند داود
الكاتبمهند داود
مدير تحرير موقع أبو عمر التقني