في مايو 2019، فعلت الولايات المتحدة شيئاً بدا وقتها قادراً على تغيير مستقبل هواوي إلى الأبد.
وضعت أمريكا الشركة الصينية على قائمة تجارية سوداء، ثم بدأت سلسلة من القيود التي جعلت التعامل معها أكثر صعوبة بالنسبة إلى الشركات التي تعتمد على التكنولوجيا الأمريكية. وبعد أيام، وصلت الضربة التي شعر بها المستخدم العادي مباشرة، تراجع وصول هواتف هواوي الجديدة إلى خدمات جوجل التي اعتدنا وجودها في أي هاتف أندرويد، مثل متجر جوجل بلاي، جيميل، يوتيوب.
في ذلك الوقت، كان من السهل تخيل النهاية.
هواوي كانت تعتمد على منظومة عالمية معقدة تتكون من برمجيات أمريكية، مصانع شرائح آسيوية، معدات تصنيع تحتوي على تقنيات أمريكية، ونظام تشغيل تسيطر جوجل على أهم خدماته خارج الصين. اقطع هذه الخيوط، وستبدأ الشبكة كلها في الانهيار.
وقد انهار جزء منها بالفعل.
لكن بعد سبع سنوات، في 2026، لا تزال هواوي هنا. بل إن السؤال تغير.
لم يعد السؤال ببساطة هل تستطيع أمريكا إيقاف هواوي؟
السؤال الأكثر إثارة الآن هو ماذا يحدث عندما تدفع واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا في العالم إلى بناء كل ما كانت تشتريه منك؟
لماذا بدأت أمريكا حربها على هواوي أصلاً؟
لفهم القصة، علينا العودة قليلاً إلى ما قبل الهواتف والعقوبات.
هواوي ليست مجرد شركة تصنع هواتف جميلة وكاميرات جيدة. جزء أساسي من أعمالها يقوم على معدات الاتصالات التي تعمل خلف الكواليس تشمل المحطات، الشبكات، مراكز البيانات والبنية التحتية التي تمر عبرها كميات هائلة من المعلومات.
وهنا بدأت المشكلة الأمريكية.
في يونيو 2020، خلصت لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية FCC إلى أن هواوي تمثل تهديداً للأمن القومي وسلامة شبكات الاتصالات، وأشارت إلى مخاوف تتعلق بعلاقة الشركة بالحكومة الصينية والقوانين الصينية التي قد تُلزم الشركات بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات. بناء على ذلك، مُنعت شركات اتصالات معينة من استخدام أموال الدعم الفيدرالي لشراء معدات هواوي.
هواوي رفضت هذه الاتهامات بشدة، وقالت إن الحكومة الأمريكية لم تقدم دليلاً يثبت استخدام معداتها للتجسس، وطعنت قانونياً في بعض القرارات الأمريكية.
وهذا التمييز مهم.
عندما نقول إن أمريكا حظرت هواوي، فنحن نستخدم وصفاً مبسطاً لقصة أكثر تعقيداً. الولايات المتحدة لم تضغط على زر أحمر يمنع وجود الشركة في العالم؛ بل بنت شبكة متدرجة من القيود على الاتصالات والتصدير والتكنولوجيا.
والجزء الذكي أو القاسي، بحسب الزاوية التي تنظر منها جاء لاحقاً.
لم تكن جوجل هي الضربة الأقسى
بالنسبة إلى مستخدم الهاتف، كان اختفاء خدمات جوجل من هواتف هواوي هو الحدث الأكبر.
لكن بالنسبة إلى هواوي نفسها، كانت الشرائح أخطر بكثير.
في أغسطس 2020 وسّعت وزارة التجارة الأمريكية قواعدها بحيث يمكن أن تخضع بعض المنتجات المصنوعة خارج الولايات المتحدة للقيود إذا كانت تعتمد في تصنيعها على برمجيات أو تقنيات أمريكية معينة وكانت هواوي طرفاً في الصفقة.
قد تبدو هذه جملة بيروقراطية مملة. لكنها كانت بالغة الأهمية.
صناعة أشباه الموصلات ليست مصنعاً تضع فيه الرمل من جهة وتخرج منه شريحة من الجهة الأخرى. إنها أشبه بمطبخ عالمي شديد التعقيد يشمل التصميم في مكان، وبرمجيات التصميم في مكان آخر، وآلات التصنيع تأتي من دول مختلفة، ثم تُرسل الشريحة إلى مصنع آخر لاختبارها وتغليفها.
يكفي أن تتحكم في بعض الأدوات التي لا يمكن الاستغناء عنها حتى يصبح نفوذك أكبر بكثير من حدودك الجغرافية.
وهذا ما فعلته واشنطن.
تحول التحدي بالنسبة إلى هواوي من إيجاد بديل لجوجل بلاي إلى سؤال أكثر وجودية من سيصنع الشرائح التي تشغل هواتفنا ومعداتنا؟
استمرت القيود لاحقاً. وفي 2024 ألغت إدارة الرئيس جو بايدن ثمانية تراخيص كانت تسمح بتصدير بعض المنتجات إلى هواوي، وشملت تراخيص مرتبطة بشركات مثل Intel وQualcomm.
بمعنى آخر، لم تكن عقوبات 2019 حادثاً عابراً. لقد تحولت إلى سياسة استمرت عبر إدارات أمريكية مختلفة.
نعم، العقوبات أصابت هواوي بقوة
هنا من السهل الوقوع في فخ الرواية المريحة، هواوي تحدّت الولايات المتحدة وخرجت أقوى من أي وقت مضى.
الأرقام لا تقول ذلك بهذه البساطة.
بعد القيود الأمريكية دخلت الشركة ما وصفته مرحلة البقاء، وتعرض نشاط الأجهزة الاستهلاكية لديها لضربة كبيرة. وباعت هواوي علامتها Honor في 2020، ما سمح للشركة المنفصلة لاحقاً بالتعامل مجدداً مع شركات مثل Qualcomm وIntel وAMD وMicrosoft وغيرها.
وخارج الصين كانت المشكلة أصعب.
يمكنك صنع هاتف ممتاز، لكن إقناع مستخدم في أوروبا أو الشرق الأوسط بشراء هاتف بلا متجر جوجل أو خرائط جوجل أو خدمات جوجل الأساسية قصة مختلفة تماماً.
فالناس لا يشترون المعالج والشاشة والكاميرا فقط. يشترون العادات أيضاً.
تطبيقاتهم، حساباتهم، الصور المحفوظة، كلمات المرور، وطريقة انتقالهم من هاتف إلى آخر. النظام البيئي نفسه يصبح نوعاً من الغراء غير المرئي.
لذلك كانت خسارة جوجل مؤلمة لهواوي خارج الصين، حتى لو كان تأثيرها أقل بكثير داخل السوق الصينية حيث لم تكن خدمات جوجل محور تجربة الهاتف أساساً.
وهذه إحدى النتائج الواضحة للعقوبات، هواوي التي كانت تنافس آبل وسامسونج على صدارة سوق الهواتف العالمي أصبحت أكثر اعتماداً على سوقها المحلية.
لكن هنا تبدأ القصة الثانية.
هواوي لم تبحث عن باب آخر.. بدأت ببناء المنزل
عندما تمنع شركة من استخدام تقنية معينة، تتوقع عادة أن تجد مورداً آخر.
المشكلة أن هواوي واجهت عدة أبواب مغلقة في الوقت نفسه.
وهكذا بدأت ببناء بدائلها.
هناك HarmonyOS بدلاً من الاعتماد الكامل على منظومة أندرويد. وهناك شرائح Kirin. وهناك منصات Kunpeng للحوسبة وAscend للذكاء الاصطناعي. وحتى أنظمة المؤسسات الداخلية لم تسلم؛ طورت هواوي نظام MetaERP الخاص بها بعدما أصبحت بعض البرمجيات الغربية أكثر صعوبة في الوصول إليها.
HarmonyOS مثال جيد على ما حدث.
ظهر النظام عام 2019 في ظل تصاعد القيود الأمريكية، ثم تحول تدريجياً من خطة احتياطية إلى مشروع استراتيجي. وفي 2024 قالت رويترز إن HarmonyOS كان يعمل على أكثر من 900 مليون جهاز بمختلف أنواعها، بينما مضت هواوي نحو HarmonyOS NEXT، وهو إصدار أكثر انفصالاً عن أندرويد.
هذه ليست مهمة صغيرة.
إنشاء نظام تشغيل سهل نسبياً مقارنة ببناء نظام بيئي حوله. أنت تحتاج مطورين وتطبيقات وأجهزة وشركات وخدمات دفع وخرائط وأدوات تطوير، ثم تحتاج إلى أصعب شيء على الإطلاق وهو إقناع الناس باستخدامه.
السوق الصينية الضخمة أعطت هواوي المساحة التي تحتاجها للمحاولة.
وفي الربع الثاني من 2026 أصبحت هواوي أكبر بائع للهواتف الذكية في الصين بحصة بلغت 22.6%، وفق بيانات IDC الأولية، بعدما زادت شحناتها بنحو 19.4% عن الفترة نفسها من العام السابق.
من كان يتوقع ذلك في صيف 2019؟
ثم جاء هاتف Mate 60 وقال شيئاً أكبر من مواصفاته
عندما ظهر Mate 60 Pro في 2023، لم يكن الاهتمام الحقيقي بالكاميرا أو البطارية.
الناس أرادوا معرفة شيء واحد، ما هذه الشريحة الموجودة في الداخل؟
الفحوصات كشفت عن شريحة متقدمة من تصنيع شركة SMIC الصينية بتقنية تقارب 7 نانومتر. وقد أثار ظهورها تساؤلات في واشنطن حول مدى قدرة القيود الأمريكية على إبطاء صناعة الشرائح الصينية. وفي 2024 ذكرت رويترز، نقلاً عن تقرير لبلومبرغ، أن SMIC استخدمت معدات أمريكية كانت قد حصلت عليها قبل تشديد بعض القيود لتصنيع الشريحة.
لكن هنا يجب ألا نبالغ في قراءة الحدث.
ظهور شريحة 7 نانومتر لا يعني أن الصين أغلقت فجوة أشباه الموصلات مع الولايات المتحدة وتايوان وكوريا الجنوبية. صناعة الشرائح تقاس أيضاً بكفاءة الإنتاج، والتكلفة، وحجم التصنيع، والعوائد من كل رقاقة سيليكون، والوصول إلى أحدث معدات الطباعة الضوئية.
حتى مسؤولو الإدارة الأمريكية جادلوا بأن الشرائح الصينية ما زالت متأخرة عن أحدث التقنيات الأمريكية.
لكن Mate 60 أثبت شيئاً آخر، القيود يمكنها أن تجعل الطريق أصعب وأكثر تكلفة، لكنها لا تضمن أن يتوقف الطرف الآخر عن السير.
وفي 2026، لم تعد المعركة على الهاتف الموجود في جيبك
ربما تكون هذه أهم نقطة في القصة كلها.
لو بقي الصراع بين أمريكا وهواوي حول الهواتف، لكان مقالنا اليوم مجرد قصة عن شركة تحاول استعادة حصتها السوقية.
لكن مركز الثقل انتقل إلى مكان آخر، الذكاء الاصطناعي.
في 2026 أصبحت معالجات Ascend التي تطورها هواوي جزءاً من محاولة الصين تقليل اعتمادها على شرائح Nvidia الأمريكية. وفي 17 سبتمبر 2026 كشفت هواوي عن خطط لإطلاق معالجين جديدين للذكاء الاصطناعي في 2027، Ascend 960DT ثم 960PR، إضافة إلى بنية UnifiedBus لربط أعداد كبيرة من الشرائح ضمن أنظمة حوسبة ضخمة.
الفكرة هنا مثيرة.
إذا لم تستطع الحصول بسهولة على أقوى شريحة في العالم، فهناك طريق آخر، اجمع عدداً أكبر من الشرائح الأقل تقدماً، ثم حسّن طريقة تواصلها وعملها معاً.
الأمر يشبه عدم امتلاك أسرع سيارة في السباق، فتقرر بدلاً من ذلك إعادة تصميم الطريق كله.
لن يجعل ذلك بالضرورة رقائق Ascend أفضل من أحدث منتجات إنفيديا.
إنفيديا ما تزال تملك ميزة كبيرة في الأداء وفي منظومة البرمجيات والمطورين المحيطة بمنصة CUDA. لكن حقيقة أن المقارنة أصبحت تُطرح أصلاً تكشف مقدار ما تغير منذ 2019.
وهواوي تنفق لكي تجعل هذا التحول ممكناً.
بلغت إيرادات الشركة في 2025 نحو 880.9 مليار يوان، فيما أنفقت 192.3 مليار يوان على البحث والتطوير، أي 21.8% من الإيرادات. وكان نحو 114 ألف موظف، أكثر من نصف القوة العاملة للشركة، يعملون في البحث والتطوير بنهاية العام.
هذه الأرقام تفسر لماذا لم تعد هواوي مجرد قصة هواتف.
وحتى 5G لم تختف من المواجهة
بينما تتجه الأنظار إلى الذكاء الاصطناعي والشرائح، تستمر المعركة القديمة حول شبكات الاتصالات.
في سبتمبر 2026 وافقت إدارة الرئيس دونالد ترامب على قرض يقارب 100 مليون دولار لشركة الاتصالات Africell، في خطوة لدعم استخدام تقنيات أمريكية وحليفة في شبكات أفريقية ومنافسة انتشار معدات هواوي هناك. وذكرت رويترز أن هواوي تمتلك نحو 52% من سوق البنية التحتية لشبكات 5G في أفريقيا.
أي أن المنافسة لم تعد محصورة بين شركتين.
أصبحت الدول نفسها تستخدم التمويل والتصدير والتنظيم والعلاقات الدبلوماسية لدفع البنية التحتية الرقمية في اتجاه أو آخر.
وهذا مفهوم؛ فاختيار مزود شبكة اتصالات ليس مثل اختيار علامة هاتف. المعدات قد تبقى داخل الشبكة سنوات طويلة، وتصبح تكلفة استبدالها هائلة.
من يضع الأسلاك والمعدات اليوم قد يؤثر في شكل الشبكة لعقد كامل.
إذن.. هل نجحت العقوبات الأمريكية على هواوي؟
الأدق أن نقول إن الإجابة تعتمد على الشيء الذي نقيسه.
إذا كان الهدف تقليص قدرة هواوي على الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية، فقد حققت القيود أثراً واضحاً. خسرت الشركة وصولاً سهلاً إلى خدمات جوجل وإلى بعض الشرائح والتقنيات، وتراجع حضور هواتفها عالمياً مقارنة بذروته السابقة، واضطرت إلى إعادة بناء أجزاء كبيرة من سلسلة التوريد والمنظومة البرمجية الخاصة بها.
أما إذا كان المقياس هو اختفاء هواوي أو توقفها عن تطوير التقنيات المتقدمة، فهذا لم يحدث.
الشركة عادت إلى نمو الإيرادات، واستعادت موقعاً قوياً في الهواتف داخل الصين، وبنت نظام تشغيل خاصاً بها، وطورت شرائح وحلولاً للحوسبة والذكاء الاصطناعي، وواصلت إنفاق عشرات المليارات من الدولارات سنوياً على البحث والتطوير.
وفي المقابل، لا يعني ذلك أن هواوي أصبحت مستقلة تماماً عن التكنولوجيا الأجنبية أو أنها أغلقت فجوة الشرائح المتقدمة. القيود لا تزال تفرض تكاليف تقنية واقتصادية حقيقية، والوصول إلى أحدث معدات تصنيع أشباه الموصلات يبقى واحداً من أصعب التحديات أمام الصناعة الصينية.
ولهذا ربما تكون قصة هواوي أهم من هواوي نفسها.
قبل سبع سنوات، كان السؤال هل تستطيع الولايات المتحدة استخدام موقعها في قلب صناعة التكنولوجيا العالمية لعزل شركة صينية ضخمة؟
اليوم لدينا نصف الإجابة.
نعم، يمكنها أن تجعل عمل تلك الشركة أصعب بكثير.
لكن النصف الآخر أكثر تعقيداً، عندما يعرف الطرف الآخر أنه قد يفقد الوصول إلى التكنولوجيا التي يعتمد عليها في أي لحظة، يصبح بناء البديل مسألة استراتيجية، لا مجرد قرار تجاري.
وهكذا أنتجت المواجهة شيئاً لم يكن واضحاً في 2019.
أمريكا وهواوي لم تعودا تتصارعان فقط على من يبيع معدات 5G أو الهاتف الأفضل. أصبحت هواوي إحدى ساحات المنافسة الأكبر بين الولايات المتحدة والصين حول السؤال الذي سيحدد جزءاً مهماً من العقد المقبل
من يملك التقنيات التي لا يستطيع الآخر الاستغناء عنها؟



