لسنوات كان متصفح جوجل كروم مجرد نافذة تصل من خلالها إلى الإنترنت. تكتب عنوان الموقع أو تبحث في جوجل، تفتح عدة تبويبات، ثم تتولى أنت مهمة قراءة المحتوى والمقارنة والتنقل بينها.
Gemini يغير هذه العلاقة قليلا.
فمساعد جوجل لم يعد مجرد موقع منفصل تفتحه عندما تحتاج إلى الذكاء الاصطناعي، بل أصبح جزءًا من كروم نفسه، يستطيع الاطلاع على الصفحة التي تقرأها وفهم محتواها والإجابة عنها، بل والعمل مع عدة تبويبات في الوقت نفسه.
والفارق هنا أكبر مما قد يبدو للوهلة الأولى. بدل نسخ نص مقال إلى Gemini وسؤاله عنه، يمكنك ببساطة فتح Gemini داخل كروم وسؤاله «ما أهم النقاط هنا؟». وبدل التنقل بين خمسة متاجر لمقارنة منتج، يمكنك مشاركتها معه وطلب المقارنة.
جوجل دأت توسيع Gemini في كروم إلى العالم العربي في يونيو الماضي، مع طرح الميزات باللغة الإنجليزية أولاً وإضافة لغات أخرى تدريجيا. كما أن التوفر نفسه ما زال تدريجيا، لذلك قد يكون شخصان يستخدمان الإصدار نفسه من كروم ولا تظهر لهما جميع الميزات في الوقت ذاته.
لكن ماذا يستطيع Gemini أن يفعل فعلا عندما يصبح جزءًا من المتصفح؟
يفهم الصفحة التي أمامك دون نسخ أي شيء
هذه أبسط ميزة، لكنها ربما الأكثر استخداما يوميا.
عند فتح Gemini داخل كروم، يستطيع استخدام محتوى علامة التبويب الحالية لفهم ما تقرأه. يمكنك مثلا فتح تقرير طويل ثم سؤاله عن الخلاصة، أو طلب شرح فقرة معقدة بلغة أبسط، أو استخراج النقاط الأساسية من صفحة مليئة بالمعلومات.
الفكرة أن Gemini يعرف سياق الصفحة التي تتصفحها، لذلك لا تحتاج في كل مرة إلى نسخ الرابط أو النص وإرساله إليه.
جوجل تتيح أيضا اختيار جزء محدد من الشاشة أو الصفحة وسؤال Gemini عنه فقط، وهي مفيدة عندما لا تريد تحليل الصفحة كاملة؛ يمكنك مثلًا تحديد رسم بياني أو فقرة أو منتج بعينه وطلب تفسيره.
وهذا ربما يكون أول فرق حقيقي بين Gemini داخل كروم وبين فتح Gemini في موقعه المعتاد.
يستطيع القراءة عبر عدة تبويبات في الوقت نفسه
إذا كنت ممن يفتحون عشرة تبويبات للبحث عن شيء واحد، فهذه واحدة من أكثر الميزات فائدة.
على الكمبيوتر يمكنك مشاركة ما يصل إلى 10 علامات تبويب مفتوحة مع Gemini، ثم طرح سؤال يعتمد عليها جميعًا.
مثلا، إذا كنت تبحث عن لابتوب وفتحت صفحات ثلاثة أجهزة مختلفة، يمكنك أن تطلب منه
«قارن بين الأجهزة الثلاثة من حيث الوزن والبطارية والشاشة والسعر».
أو إذا كنت تخطط للسفر ولديك عدة صفحات لفنادق ووجهات، يمكنه جمع المعلومات من هذه الصفحات ومساعدتك في المقارنة بدل الانتقال بينها واحدة تلو الأخرى.
هذه بالتحديد هي النقطة التي تجعل دمج Gemini داخل المتصفح منطقيًا. الذكاء الاصطناعي لا ينتظر منك أن تجلب إليه المعلومات؛ إنه موجود حيث توجد المعلومات أصلًا.
يمكنه تلخيص الفيديو والبودكاست أيضا
Gemini لم يعد مقيدا بالنصوص وصفحات الويب.
كان كروم يسمح بالفعل بطرح أسئلة حول مقاطع يوتيوب، لكن جوجل بدأت في سبتمبر 2026 توسيع هذه الإمكانية لتشمل البودكاست ومقاطع الفيديو الموجودة على مواقع أخرى غير يوتيوب..
يمكنك تشغيل المحتوى ثم استخدام Gemini للعثور على النقاط الرئيسية أو شرح جزء معين أو الوصول إلى المعلومة التي تبحث عنها دون مشاهدة أو سماع المحتوى كاملا.
ومن الواضح أن جوجل ترى المتصفح الآن كأداة لفهم المحتوى، وليس مجرد عارض له.
لكن هذه الميزات الأحدث بدأت أولا على سطح المكتب باللغة الإنجليزية في الولايات المتحدة والهند، مع خطط للتوسع لاحقا، لذلك لا ينبغي افتراض أنها ظهرت لدى جميع مستخدمي كروم بالفعل.
يمكن أن يحول الصفحة إلى اختبار لك
إحدى الميزات الجديدة المثيرة للاهتمام موجهة أساسا للتعلم.
إذا كنت تقرأ درسًا أو مقالا علميا، يستطيع Gemini إنشاء اختبار تفاعلي يعتمد على محتوى الصفحة لمساعدتك على التأكد مما فهمته.
بدل قراءة موضوع طويل ثم إغلاقه، يمكنك أن تقول له ببساطة إنك تريد اختبار معرفتك بما قرأت.
جوجل أضافت هذه الإمكانية ضمن تحديثات الدراسة التي أعلنتها في 24 سبتمبر 2026، إلى جانب تحسين فهم المستندات والفيديو والبودكاست.
وقد تبدو ميزة صغيرة، لكنها مثال جيد على الطريقة التي تريد جوجل أن يتحول بها كروم من مكان لقراءة المعلومات إلى مكان للتفاعل معها.
يستطيع العثور على تلك الصفحة التي شاهدتها ولم تعد تتذكرها
كلنا فعلنا ذلك، شاهدنا قبل أيام منتجا أو مطعما أو مقالا جيدا، ثم حاولنا العودة إليه ولم نتذكر اسم الموقع.
Gemini في كروم يستطيع البحث في سجل التصفح باستخدام اللغة الطبيعية.
يمكنك مثلا أن تسأله:
«أين المقال الذي كنت أقرأه هذا الصباح عن سوق الأسهم؟»
أو:
«ما اسم الفندق الذي كنت أشاهده الأسبوع الماضي؟»
بدل محاولة تذكر الكلمات الدقيقة الموجودة في عنوان الصفحة.
الميزة تحتاج إلى حساب جوجل شخصي، وتشغيل مزامنة سجل كروم، كما أنها غير متاحة في وضع المتصفح الخفي Incognito.
هذه واحدة من الميزات التي تبدو بسيطة إلى أن تحتاج إليها فعلا.
يتكامل مع جيميل ويوتيوب وخرائط جوجل
جوجل لديها ميزة لا يستطيع كثير من منافسيها نسخها بسهولة، تمتلك بالفعل مجموعة الخدمات التي يستخدمها ملايين الأشخاص كل يوم.
لهذا لا يتوقف Gemini في كروم عند الصفحة الحالية.
يمكنه التكامل مع يوتيوب وجيميل وخرائط جوجل والتقويم وغيرها، بحيث يمكنك مثلا صياغة رسالة بريد إلكتروني أثناء تصفح صفحة، أو التحقق من مكان على الخرائط، أو جدولة اجتماع، أو طرح سؤال عن فيديو يوتيوب دون الاضطرار إلى مغادرة ما تقوم به.
جوجل وسعت هذه الإمكانيات إلى مستخدمين في الشرق الأوسط خلال 2026.
ومع ميزة Personal Intelligence لبعض المشتركين، يمكن ربط المزيد من معلوماتك في يوتيوب أو جيميل أو صور جوجل للحصول على إجابات أكثر تخصيصا. بعض هذه الإمكانيات مرتبطة بخطط Google AI المدفوعة ولا تتوفر لجميع المستخدمين.
ويمكنه تعديل الصور الموجودة أمامك
دمج Gemini مع أدوات إنشاء الصور جعل كروم يحصل على وظيفة أخرى غير متوقعة.
باستخدام إمكانيات Nano Banana، يمكن لـGemini التعامل مع صورة تراها على الويب وإجراء تعديلات عليها اعتمادًا على وصف نصي.
بدل حفظ الصورة ثم رفعها إلى أداة منفصلة، تتم العملية من اللوحة الجانبية داخل المتصفح في المناطق والحسابات التي تدعم الميزة.
وهذه ليست أهم ميزة في كروم بالتأكيد، لكنها توضح أن جوجل لا تتعامل مع Gemini باعتباره مجرد مربع دردشة مضاف إلى جانب المتصفح.
الخطوة الأكبر: كروم يبدأ في التصفح نيابة عنك
كل ما سبق يعتمد أساسا على أن تسأل Gemini فيجيبك.
لكن الاتجاه الأكثر أهمية هو Auto Browse.
مع هذه الخاصية لا يكتفي Gemini بإخبارك بكيفية تنفيذ المهمة، بل يستطيع الانتقال بين المواقع وتنفيذ خطوات متعددة بنفسه.
من الأمثلة التي تقدمها جوجل هي البحث عن منتجات ومقارنة العروض وإضافتها إلى عربة التسوق، البحث عن أماكن إقامة وفق شروط معينة، حجز مطعم أو موعد، وتنفيذ مهام أخرى تحتاج عادة إلى عدد من الخطوات على عدة صفحات.
جوجل طرحت قدرات مشابهة أيضا على كروم في Android لمشتركي AI Pro وAI Ultra في الولايات المتحدة، مع أمثلة مثل حجز موقف للسيارة أو تنظيم ترتيبات رحلة.
لكن هنا يجب الانتباه إلى نقطتين.
أولًا، Auto Browse ليست متاحة حاليا للجميع؛ على الكمبيوتر تتطلب في الوقت الحالي عمر 18 عاما أو أكثر، وحسابا شخصيا وخطة Google AI Pro أو Ultra، وهي تُطرح تدريجيا في الولايات المتحدة باللغة الإنجليزية.
وثانيا، تنفيذ المهام نيابة عنك يخلق مستوى مختلفا تماما من المخاطر، ولهذا تطلب الأداة منك مراجعة الخطة وتأكيد بعض الخطوات الحساسة.
Gemini لا يعمل بصمت بعيدا عنك تماما
من الطبيعي أن يثير وجود مساعد ذكاء اصطناعي قادر على قراءة صفحات المتصفح أسئلة حول الخصوصية.
عند استخدام Gemini في كروم، يتم إرسال محتوى وعنوان URL لعلامة التبويب الحالية والتبويبات الأخرى التي اخترت مشاركتها لكي يتمكن Gemini من الإجابة عنها. ويمكنك إيقاف مشاركة التبويب الحالي أو إزالة أي تبويب شاركته.
جوجل تتيح أيضا من إعدادات كروم إيقاف خيار مشاركة التبويب الحالي تلقائيا.
أما Auto Browse فالأمر أكثر حساسية، لأنه يمكنه الوصول إلى المواقع التي سجلت دخولك إليها واستخدام بعض معلوماتك لإكمال المهمة، وقد يحتاج إلى مشاركة معلومات مع الموقع الذي يتعامل معه. جوجل نفسها تحذر من مخاطر مثل التعليمات الخبيثة المخبأة في صفحات الويب، المعروفة باسم Prompt Injection، وتقول إنها تستخدم وسائل حماية وتطلب تأكيد المستخدم عند الإجراءات الحساسة.
لذلك يظل من الأفضل التعامل مع Gemini كمساعد، لا كشخص تمنحه إذنًا مفتوحًا لإنجاز كل شيء دون مراجعة.
كيف أعرف إن كان Gemini متاحًا لدي في كروم؟
على الكمبيوتر، إذا أصبحت الميزة متاحة لحسابك فستجد زر Ask Gemini أعلى Chrome.
جوجل تشترط استخدام أحدث نسخة من Chrome وتسجيل الدخول إلى المتصفح، وأن يكون جهازك يعمل بنظام Windows أو macOS أو Chromebook Plus وفي منطقة ولغة مدعومتين. ولا يعمل Gemini في كروم في وضع التصفح المتخفي.
وفي العالم العربي بدأت جوجل طرح Gemini في كروم منذ يونيو 2026، لكن باللغة الإنجليزية أولا، مع توسع الدعم للغات والميزات بمرور الوقت.
لذلك إذا كنت تستخدم أحدث إصدار ولا ترى زر Gemini، فليس بالضرورة أن هناك مشكلة في جهازك؛ جوجل تؤكد أن عملية الإتاحة نفسها ما زالت تدريجية.
ليس هو اختصار @gemini القديم
هناك نقطة قد تسبب بعض الالتباس.
منذ فترة يمكنك كتابة @gemini في شريط عنوان كروم ثم كتابة سؤالك. لكن هذا الاختصار لا يعني أنك تستخدم Gemini المدمج في كروم؛ فهو يأخذ السؤال وينقلك إلى تطبيق Gemini على الويب.
أما Gemini in Chrome الحقيقي فيعمل داخل المتصفح ويستطيع استخدام محتوى الصفحة والتبويبات التي تشاركها معه. وهذا هو الاختلاف الأساسي.
هل نحتاج فعلًا إلى Gemini داخل كروم؟
إذا كنت تستخدم Gemini فقط لطرح أسئلة عامة مثل «ما عاصمة هذه الدولة؟» أو «اكتب لي رسالة قصيرة»، فلن يغير دمجه داخل كروم تجربتك كثيرا.
القيمة الحقيقية تبدأ عندما يكون السؤال متعلقا بما تفعله داخل المتصفح.
لخص هذه الصفحة.
قارن هذه التبويبات.
اشرح هذا الرسم.
اعثر على الصفحة التي شاهدتها الأسبوع الماضي.
ما النقاط المهمة في هذا الفيديو؟
أرسل رسالة بناء على هذه المعلومات.
وهنا تحديدًا يصبح وجود Gemini داخل كروم أكثر من مجرد اختصار للوصول إلى روبوت دردشة.
Google تحاول نقل الذكاء الاصطناعي من مرحلة «اذهب إلى موقع AI واسأله» إلى مرحلة يكون فيها الذكاء الاصطناعي موجودا فوق الإنترنت نفسه، يرى السياق الذي تسمح له برؤيته ويساعدك أثناء العمل.
وإذا نجحت ميزات مثل Auto Browse في الوصول إلى المستخدمين بصورة أوسع، فقد يكون التغيير الأكبر لاحقا أننا لن نستخدم المتصفح دائما للانتقال بأنفسنا بين عشرات المواقع.
سنخبره فقط بما نريد إنجازه، ثم نراقب ما يفعله.



