إنسان حقيقي .. هذا هو أغلى أنواع الرفاهية في عصر الذكاء الاصطناعي

تخيل أنك تدخل مطعما في عام 2060.

لا يوجد نادل ينتظر عند الباب.

الكاميرا تعرف أنك وصلت. الطاولة تعرف اسمك. النظام يعرف أنك لا تحب البصل، وأنك طلبت ترافل بيف برجر آخر ثلاث زيارات، وأنك تصبح أكثر ميلاً للحلويات عندما يكون يوم عملك سيئاً.

قبل أن تجلس، تكون القهوة التي تحبها في الطريق إليك.

لا أحد أخطأ في الطلب.

لا أحد تأخر.

لا أحد نسي ابتسامتك المفضلة، لأن النظام لا ينسى

الخدمة مثالية.

ومع ذلك، قد يكون أغلى خيار على قائمة المطعم هو خدمة بشرية تضيف 30% إلى الفاتورة

ليس لأن الإنسان أسرع من الآلة.

على الأرجح سيكون أبطأ.

وقد ينسى النادل شيئًا، ويسألك سؤالًا يعرف النظام إجابته أصلًا، وربما يخطئ في نطق اسمك.

لكنه سوف يكون هناك.

شخص حقيقي يقف أمامك، يلاحظ أنك لا تبدو على ما يرام، ويسألك: هل كل شيء بخير؟

ولا توجد طريقة مؤكدة لمعرفة ما إذا كان هذا المستقبل سيحدث بهذه الصورة.

لكن الفكرة التي تقف خلفه بدأت تصبح أقل خيالا مما تبدو.

الذكاء الاصطناعي يسيطر واللمسة الإنسانية أصبحت عملة نادرة

لكل عصر سلعه النادرة.

كان امتلاك الموسيقى يوما ما مكلفا. اليوم لديك ملايين الأغاني في جيبك.

كانت المعلومة نادرة. اليوم نعاني من وفرتها.

كان الحصول على إجابة من خبير يتطلب موعدا ومالا وربما أياما من الانتظار. الآن يمكنك طرح السؤال نفسه على نموذج ذكاء اصطناعي الساعة الثالثة فجرًا والحصول على إجابة خلال ثوانٍ.

كل شيء تقريبا يتحرك في اتجاه واحد

المزيد، أسرع، أرخص.

لكن هناك سلعة غريبة لا يمكن إنتاج المزيد منها مهما تحسنت المعالجات

وقت إنسان آخر.

يمكن للذكاء الاصطناعي إنشاء عشرة آلاف رسالة تعاطف في الثانية.

أما الإنسان فلا يستطيع أن يمنحك عشر دقائق حقيقية من الانتباه إلا بعد أن ينفق عشر دقائق من حياته.

وهنا قد تبدأ واحدة من أغرب المفارقات الاقتصادية في عصر الذكاء الاصطناعي.

عندما تصبح الكفاءة وفيرة، قد يصبح الانتباه نادرا.

وعندما يصبح الذكاء رخيصا، قد تصبح اللمسة الإنسانية غالية.

المشكلة أن الروبوت لن يكون باردا بالضرورة

في النسخة السهلة من هذه القصة، تكون الروبوتات فعالة لكنها باردة، بينما البشر غير مثاليين لكنهم دافئون.

أتمنى لو كانت المسألة بهذه البساطة.

فالذكاء الاصطناعي يتعلم بالفعل كيف يبدو متعاطفًا.

سيتعلم متى يصمت.

متى يسأل.

متى يخفض صوته.

كيف يصوغ الاعتذار.

وما الجملة التي يحتاج الإنسان إلى سماعها عندما يكون خائفا أو حزينا أو غاضبا.

وقد أظهرت أبحاث حديثة أن الناس يمكنهم بالفعل الاستجابة عاطفيا لأنظمة ذكاء اصطناعي تبدو متعاطفة، وأن التفاعل معها قد يولد نوعا من الحضور الاجتماعي.

لذلك فإن السؤال الحقيقي لن يكون

هل تستطيع الآلة تقليد التعاطف؟

قد تستطيع.

السؤال الأكثر إثارة هو

هل يهمنا أن يكون التعاطف حقيقيا؟

هناك فارق صغير لكنه عميق بين جملتين متطابقتين

أنا آسف لأنك تمر بهذا.

قد تنتج الأولى لأن شبكة عصبية قدرت إحصائيا أن هذه أفضل استجابة ممكنة.

أما الثانية فقد تأتي من شخص توقف للحظة، تخيل ما تمر به، وشعر فعلًا بشيء تجاهك.

الكلمات واحدة.

لكن مصدر الكلمات مختلف.

وربما يصبح مصدر الشعور نفسه سلعة.

عصر العلاوة البشرية

لدينا اليوم ملصقات تقول

مصنوع يدويا: تماماً كما يُصنع الحذاء الجلدي في ورش إيطاليا القديمة، حيث يمرر الصانع إبرته عبر الجلد عشرات المرات ليُخرج حذاءً لا يشبه أي حذاء آخر

مزروع عضويا: شبيه بالطماطم التي تنمو في تربة طبيعية تحت الشمس، دون منشطات أو أسمدة كيميائية، تأخذ وقتها كي تمنحنا طعماً حقيقياً.

إصدار محدود: كالساعة الميكانيكية التي يُصنع منها عدد محدود بأرقام متسلسلة

ويبدو أن جزء من البشر يدفعون أحيانا مقابل كل هذا، فسره كما تريد ولكنه يحدث اليوم

ربما لأننا نشتري القصة والأصالة والجهد.

ولذلك لن يكون غريبا أن تظهر يومًا ما نسخة جديدة من هذه الملصقات

صناعة بشرية 100%

قد يصبح المدرس البشري هو الخيار الفاخر في التعليم بدلاً من روبوتات تتمتع بصبر لا محدود مع قدرتها على إمداد الطلاب بقدر لا ينتهي من المعرفة

وقد تمتلك المستشفيات أنظمة تستطيع تحليل ملفك الصحي خلال ثوانٍ، لكن المرضى يدفعون مقابل طبيب لديه الوقت ليجلس خمس عشرة دقيقة إضافية ويسمعهم.

وقد تملك صالونات التجميل، روبوتات قادرة على تنفيذ أي ستايل تريده، من الأكثر تعقيدا وحتى إطلالات المشاهير، ولكنك تريد إنسان حقيقي تتحدث معه بينما يقوم بحلاقة رأسك.

وقد تصل إلى شركة فتجد روبوتا يحل مشكلتك مجانًا خلال ثلاثين ثانية، بينما يكلف خيار تحدث مع شخص حقيقي رسوماً إضافية.

لدينا في الاقتصاد مفهوم قديم يسمى «مرض تكلفة بومول»: بعض الأعمال لا تتحسن إنتاجيتها بالطريقة التي تتحسن بها المصانع والبرمجيات، لأنها تعتمد أساسا على وقت الإنسان. لا يمكنك أن تجعل عازف كمان يؤدي قطعة تستغرق عشرين دقيقة في دقيقتين وتقول إن إنتاجيته ارتفعت عشرة أضعاف. وينطبق شيء مشابه على أجزاء من التعليم والرعاية والعناية الشخصية.

الذكاء الاصطناعي قد يضيف فصلا جديدا لهذه القصة.

كل ما يمكن نسخه سيصبح أرخص.

وكل ما يتطلب حضور شخص حقيقي قد يصبح أغلى.

لكن لماذا نحتاج البشر أصلا؟

الغريب أننا نملك اليوم أدوات اتصال أكثر مما امتلكه أي جيل سابق.

ومع ذلك لا يبدو أننا حللنا مشكلة الوحدة.

في عام 2025، قالت منظمة الصحة العالمية إن نحو واحد من كل ستة أشخاص عالميا يعاني الوحدة، مع آثار واسعة على الصحة والمجتمع والاقتصاد.

يمكنك أن تتلقى مئات الرسائل في أسبوع وتشعر بأنه لم يتحدث إليك أحد.

يمكن لثلاثين شخصا أن يعجبوا بصورتك ولا يعرف أحد منهم كيف كان يومك.

وهنا ربما نكتشف خطأنا الأساسي.

الاتصال ليس هو التواصل.

والاستجابة ليست هي الاهتمام.

وأن يعرف النظام كل شيء عنك لا يعني بالضرورة أن هناك أحدًا يعرفك.

أجسادنا أيضا جزء من القصة

هناك جانب آخر لا يجب تجاهله: البشر لا يتواصلون بالكلمات وحدها.

الابتسامة.

المصافحة.

وضع اليد على الكتف.

العناق بين أشخاص يرغبون فيه.

الجلوس بجوار شخص حزين دون قول شيء.

هذه ليست إضافات تجميلية إلى التواصل البشري.

إنها جزء من لغته.

تشير الأبحاث حول اللمس الاجتماعي إلى دوره في التعلق والتنظيم العاطفي والتواصل منذ الطفولة وحتى البلوغ.

وفي دراسة شهيرة على لاعبي دوري NBA، كان التلامس الإيجابي بين الزملاء في بداية الموسم مرتبطا بمزيد من التعاون وأداء أفضل لاحقا. لا يعني هذا أن التصفيق على الكتف يفوز بالمباريات، لكنه يقدم تلميحًا جميلًا إلى أن أجسادنا تتبادل معلومات اجتماعية لا تمر كلها عبر الكلمات.

حتى العناق له قصة أكثر إثارة مما تبدو.

في دراسة شملت 404 بالغين عُرّضوا عمدا لفيروس يسبب نزلات البرد، ارتبط الدعم الاجتماعي وتلقي العناق بتخفيف أثر الضغوط والصراعات على القابلية للمرض وشدة الأعراض.

لكن ربما لا نحتاج أصلا إلى تحويل كل عناق إلى تحليل كيميائي حتى نعترف بقيمته.

بعض الأشياء مفيدة لأنها تجعل الحياة تبدو أكثر إنسانية.

وهذا سبب كافٍ أحيانًا.

المهارة التي قد ترتفع قيمتها كلما أصبح الذكاء الاصطناعي أفضل

إذا كان هذا الاتجاه صحيحًا، فهناك استنتاج مهني غريب.

المهارة الأكثر قيمة في المستقبل لن تكون بالضرورة معرفة أكبر عدد من المعلومات.

الآلة ستكون ممتازة في ذلك.

ولن تكون السرعة.

ستخسر هذه المنافسة أيضا.

قد تكون القيمة في الأشياء التي أهملناها طويلا

أن تستمع دون أن تنتظر دورك في الكلام.

أن تفهم ما لا يقوله العميل.

أن تعرف متى لا ينبغي اتباع الإجراء حرفيا.

أن تمنح شخصا مرتبكا شعورا بأنه ليس مجرد رقم في قائمة.

أن تعتذر بطريقة لا تبدو مكتوبة بواسطة قسم العلاقات العامة.

أن تتذكر اسما.

أن تلاحظ خوفا.

أن تتحمل غضب شخص دون أن تحول الحوار فورا إلى معاملة.

أن تمنح الآخر شيئا لا تستطيع الشركات إنتاجه بكميات غير محدودة:

انتباهك الكامل.

تلك ليست مهارات جانبية.

قد تصبح هي المنتج.

الذكاء الاصطناعي لن يلغي الإنسانية… قد يعيد تسعيرها

هناك ميل غريب عند الحديث عن التكنولوجيا إلى افتراض أن المستقبل مباراة.

البشر ضد الآلات.

من سيفوز؟

لكن ربما يكون هذا هو السؤال الخطأ.

السيارة لم تجعل المشي بلا قيمة.

بل حولت بعض أشكال المشي إلى شيء نفعله للمتعة.

التصنيع لم يجعل الأشياء اليدوية عديمة القيمة.

بل جعل كلمة “مصنوع يدويا” سببا في رفع السعر وفي الشعور بأنك تمتلك شيء مميز

وربما يفعل الذكاء الاصطناعي الشيء نفسه بالخدمة البشرية.

لن تختفي.

بل ستتغير دلالتها.

سنستخدم الآلة عندما نريد الإجابة الأسرع.

والإنسان عندما نريد شيئا آخر.

مساحة للغموض.

خطأ صغيرا.

مزحة غير متوقعة.

تعاطفا ليس محسوبا مسبقا.

شخصا يستطيع أن يقول “لا أعرف”

وشخصا آخر يمكن أن يتحمل المسؤولية عندما تسوء الأمور.

وربما يكون المستقبل أغرب مما نتخيل

عد الآن إلى مطعم عام 2060.

تجلس إلى طاولتك.

يظهر أمامك خياران.

الخدمة الآلية فورية، دقيقة، شخصية، بلا أخطاء تقريبا.

الخدمة البشرية أبطأ، أغلى، وغير مضمونة تماما.

تختار الثانية.

يصل النادل متأخرا قليلا.

يسألك عن يومك. تتحدثان لدقيقة.

يخطئ في إحضار مشروبك.

ثم ينتبه ويضحك ويقول “واضح أن الروبوتات ستأخذ وظيفتي في النهاية”

وتضحك أنت أيضا.

ليس لأن الخدمة كانت أفضل.

بل لأنها كانت حقيقية.

وهذه ربما تكون المفارقة الكبرى لعصر الذكاء الاصطناعي

كلما تعلمت الآلات أن تصبح أكثر شبها بنا، قد نصبح نحن أكثر استعدادا للدفع مقابل الأشياء التي تثبت أننا ما زلنا نتعامل مع إنسان.

مهند داود
الكاتبمهند داود
مدير تحرير موقع أبو عمر التقني