لماذا نتعب أنفسنا بالدراسة إذا كان الذكاء الاصطناعي يملك كل الأجوبة؟

طلاب حلوا المسائل بمساعدة الذكاء الاصطناعي ثم رسبوا في الامتحان.

هناك سؤال بدأ يفرض نفسه على الطلاب، وربما على الآباء والمعلمين أيضاً، لماذا أدرس شيئاً يستطيع ChatGPT شرحه لي خلال ثوان؟

لماذا أحفظ المعلومات إذا كان بإمكاني الوصول إليها متى أردت؟

لماذا أقضي ساعة محاولاً حل مسألة رياضية يستطيع الذكاء الاصطناعي حلها في لحظات؟

ولماذا أتعلم كتابة المقالات أو البرمجة أو الترجمة أو البحث، بينما توجد آلة تستطيع القيام بجزء كبير من ذلك أسرع مني، وربما أفضل مني؟

للوهلة الأولى، تبدو هذه الأسئلة منطقية تماماً.

لقد كانت إحدى وظائف التعليم طوال قرون أن يضع المعرفة داخل رأس الإنسان لأن الوصول إليها خارج رأسه كان بطيئاً ومكلفاً. أما اليوم فنحن نحمل في جيوبنا أجهزة تستطيع استدعاء مكتبات كاملة، وفوق ذلك ظهر الذكاء الاصطناعي ليقوم بشيء أكثر إثارة، فهو لم يعد يعثر على المعلومة فحسب، بل يقرأها ويختصرها ويشرحها ويقارنها ويكتبها لك.

فإذا كانت الآلة تملك الإجابات، فما فائدة أن نتعب أنفسنا في البحث عنها؟

المشكلة أن هذا السؤال يخلط بين شيئين متشابهين في الظاهر ومختلفين جذرياً في الحقيقة وهما امتلاك الإجابة، وامتلاك العقل القادر على الوصول إليها وفهمها.

وقد كشفت تجربة مثيرة للاهتمام كم يمكن أن يكون الفرق بينهما كبيراً.

الطلاب أصبحوا أفضل بكثير… حين اختفى الذكاء الاصطناعي

في خريف عام 2023، أجرى فريق بحثي تقوده جامعة بنسلفانيا تجربة عشوائية واسعة النطاق في مدرسة ثانوية كبيرة في تركيا.

شارك فيها قرابة ألف طالب من الصفوف التاسع والعاشر والحادي عشر، ضمن نحو 50 فصلاً دراسياً، وخضع الطلاب لأربع جلسات مدة كل منها 90 دقيقة لدراسة الرياضيات.

قُسّم الطلاب إلى ثلاث مجموعات.

المجموعة الأولى درست بالطريقة المعتادة دون ذكاء اصطناعي.

المجموعة الثانية حصلت على نظام مبني على GPT-4 يشبه تجربة استخدام ChatGPT العادية، وأطلق عليه الباحثون GPT Base.

أما المجموعة الثالثة فحصلت على النموذج نفسه تقريباً، لكن مع قيود تعليمية صُممت بالتعاون مع المعلمين. لم يكن الهدف أن يقدم النظام الإجابة مباشرة، وإنما أن يعمل النظام كمدرس، يعطي تلميحات، ويوجه الطالب إلى الخطوة التالية، ويحاول أن يبقي عملية التفكير في يد الطالب. أطلق الباحثون عليه GPT Tutor.

ثم بدأت النتائج تظهر.

أثناء حل التمارين، تحسن أداء الطلاب الذين استخدموا GPT Base بنسبة 48% مقارنة بالمجموعة التي لم تستخدم الذكاء الاصطناعي.

أما الطلاب الذين استخدموا GPT Tutor فكان التحسن مذهلاً وبنسبة 127%.

لو توقفت التجربة هنا، لكان من السهل كتابة العنوان، الذكاء الاصطناعي يحدث ثورة في التعليم.

الطلاب يحلون عدداً أكبر من المسائل، يرتكبون أخطاء أقل، ويصلون إلى الإجابات أسرع.

لكن الباحثين لم يتوقفوا هنا.

بعد التدريب جاء الاختبار، وهذه المرة أُزيل الذكاء الاصطناعي.

وهنا انقلبت النتيجة.

الطلاب الذين استخدموا GPT Base سجلوا نتائج أقل بنحو 17% من الطلاب الذين تعلموا دون ذكاء اصطناعي.

أما مستخدمو GPT Tutor، الذي كان يرفض إعطاء الحلول بسهولة ويدفعهم إلى التفكير، فجاء أداؤهم قريباً من أداء المجموعة التي تعلمت بالطريقة التقليدية.

بعبارة أخرى، الذكاء الاصطناعي جعل مجموعة من الطلاب أفضل في حل الواجب، لكنه جعلهم أسوأ في الشيء الذي كان يفترض أن يجعلهم الواجب أفضل فيه.

وهنا تبدأ القصة الحقيقية.

ربما لم يكونوا يتعلمون أصلاً

نحن نقيس التعلم بطريقة سيئة في كثير من الأحيان.

حين ترى طالباً يحل عشر مسائل بنجاح، تفترض أنه أصبح أفضل في الرياضيات.

حين ينتهي الموظف من تقرير ممتاز، تفترض أنه أصبح أفضل في تحليل البيانات.

وحين يخرج المبرمج من جلسة عمل ومعه كود يعمل، يبدو أنه أنجز مهمته بنجاح.

لكن الإنجاز لا يعني بالضرورة أن شيئاً قد تغير داخل عقل صاحبه.

وهذا هو الفارق بين الأداء والتعلم.

الأداء هو قدرتك على إنجاز المهمة الآن، في الظروف الحالية، وبالأدوات المتاحة أمامك.

أما التعلم فهو ما يبقى معك بعدما تتغير الظروف وتُسحب الأدوات.

وهذه ليست فكرة وُلدت مع ChatGPT.

منذ عقود، يشير علم النفس المعرفي إلى أن الأداء أثناء التدريب يمكن أن يكون مؤشراً مضللاً على التعلم طويل الأمد. بعض الظروف التي تجعل التدريب يبدو أسهل وأسرع قد تكون أقل فاعلية في ترسيخ المعرفة، بينما يمكن لبعض الظروف التي تبطئ الأداء وتجبر المتعلم على بذل جهد أكبر أن تحسن الاحتفاظ بالمعلومات والقدرة على استخدامها لاحقاً.

ولهذا ظهر مفهوم يحمل اسماً غريباً بعض الشيء، الصعوبات المرغوبة Desirable Difficulties.

أي أن هناك قدراً من الصعوبة لا ينبغي أن نحاول التخلص منه، لأن التغلب عليه جزء من عملية التعلم نفسها.

الشيء المزعج في الدراسة قد يكون هو الشيء الذي يجعلك تتعلم

فكر في آخر مرة حاولت فيها تذكر معلومة ووجدتها عالقة في طرف ذاكرتك.

تعرف أنك تعرفها. تحاول استرجاعها. تخطئ. تعود مرة أخرى. ثم تتذكرها.

كانت تلك الثواني مزعجة.

ولو ظهر زر أمامك يحمل عبارة «أظهر الإجابة»، ربما كنت ستضغط عليه.

لكن المشكلة أن تلك اللحظات التي نحاول اليوم التخلص منها هي بالضبط اللحظات التي يكون فيها الدماغ مشغولاً بالعمل.

تشير أبحاث التعلم والذاكرة إلى أن توليد الإجابة بدلاً من مجرد قراءتها يمكن أن يجعلها أكثر قابلية للتذكر، كما أن الاسترجاع، والتباعد بين جلسات الدراسة، ومزج أنواع مختلفة من المسائل، كلها أمثلة على ممارسات قد تجعل التعلم يبدو أصعب لحظياً لكنها قد تحسن الاحتفاظ بالمعلومات والقدرة على نقلها إلى مواقف جديدة.

وهذا يقودنا إلى مفارقة عصر الذكاء الاصطناعي. لقد بنينا أفضل آلة في التاريخ تقريباً لإزالة الاحتكاك من العمل العقلي. لكن بعض هذا الاحتكاك كان يقوم بوظيفة.

الذكاء الاصطناعي يزيل الاحتكاك… وهذا بالضبط ما نريده منه

هناك مفهوم آخر في علم النفس المعرفي يسمى التفريغ المعرفي Cognitive Offloading.

وهو ببساطة نقل جزء من العمل الذي كان سيقوم به عقلك إلى شيء موجود خارجه.

حين تكتب موعداً في التقويم حتى لا تضطر إلى تذكره، فأنت تمارس التفريغ المعرفي.

حين تستخدم الآلة الحاسبة، تفعل الشيء نفسه.

وحين تضع قائمة بالأشياء التي تريد شراءها بدلاً من الاحتفاظ بها في ذاكرتك، فأنت أيضاً تنقل عبئاً معرفياً من رأسك إلى أداة خارجية. وقد صاغ الباحثان Evan Risko وSam Gilbert المفهوم باعتباره استخدام أفعال أو موارد خارجية لتقليل متطلبات المعالجة العقلية للمهمة.

هذا في حد ذاته ليس شيئاً سيئاً، فالحضارة الإنسانية كلها تقريباً مبنية على هذا المبدأ.

الكتابة نفسها شكل مذهل من أشكال الذاكرة الخارجية.

المشكلة مع الذكاء الاصطناعي ليست أنه يسمح لنا بالتفريغ المعرفي، وإنما حجم ما أصبح بإمكاننا تفريغه إليه.

الآلة الحاسبة تستطيع إجراء العملية الحسابية بدلاً منك.

أما نموذج لغوي حديث فيستطيع اقتراح الفكرة، وبناء الحجة، وتلخيص المصادر، وتحليلها، وكتابة النص، وانتقاد النص الذي كتبه هو نفسه.

لأول مرة أصبح من السهل تفويض العمليات التي كنا نسمي ممارستها سابقاً «التعلم».

ولهذا يفرق تقرير بحثي صدر عام 2026 حول الذكاء الاصطناعي والتفريغ المعرفي في التعليم بين نوعين مهمين، التفريغ المفيد الذي يزيل الأعباء الثانوية، مثل المساعدة في التدقيق اللغوي، والتفريغ الضار الذي يجعل الأداة تقوم بالعمل العقلي الأساسي الذي يفترض أن يقوم به المتعلم نفسه، مثل التحليل وتكوين الحجج وتوليد الأفكار.

الفرق دقيق، لكنه قد يصبح واحداً من أهم الفروق التي يجب أن نتعلمها في السنوات القادمة.

ليست المشكلة أن تجعل الذكاء الاصطناعي يعمل بدلاً منك. المشكلة أن تجعله يتعلم بدلاً منك.

الأمر يشبه الذهاب إلى صالة الألعاب الرياضية ومعك رافعة

تخيل أنك تريد أن تصبح أقوى.

ذهبت إلى صالة الألعاب الرياضية، ووقفت أمام الأوزان، ثم أحضرت آلة ترفعها نيابة عنك.

في نهاية الساعة، ستكون جميع الأوزان قد تحركت.

كل المهام أُنجزت.

يمكنك تسجيل عشرين مجموعة ناجحة في دفتر التدريب.

لكن عضلاتك لم تحصل على الفائدة.

لأن الهدف من رفع الوزن لم يكن نقل قطعة من الحديد من النقطة «أ» إلى النقطة «ب».

الهدف كان ما يحدث لجسدك أثناء محاولتك نقلها.

وهذه أفضل طريقة تقريباً لفهم مشكلة الذكاء الاصطناعي والتعليم.

هدف المسألة الرياضية ليس الرقم المكتوب في آخر الصفحة.

وهدف المقال ليس وجود ألف كلمة في ملف وورد.

وهدف تعلم البرمجة ليس الحصول على 50 سطراً من الكود تعمل دون أخطاء.

هذه كلها منتجات نهائية.

أما التعلم فيحدث خلال الطريق إليها.

يحدث حين تفكر لماذا لم تنجح هذه الطريقة؟

حين تكتشف أنك فهمت فكرة بشكل خاطئ.

حين تضطر إلى العودة إلى تعريف قديم.

حين تربط معلومتين لم تكونا مرتبطتين في ذهنك من قبل.

حين تبني فرضية ثم تكتشف أنها خاطئة.

إنها عملية غير فعالة ومزعجة وبطيئة أحياناً. وهذا هو السبب في أنها ذات قيمة.

لكن إذا كانت المعلومات موجودة دائماً، فلماذا أحتاج إلى وضعها في رأسي؟

وهنا يأتي الاعتراض الأقوى.

ربما كان حفظ المعرفة مهماً عندما لم يكن لدينا إنترنت.

لكننا الآن نستطيع سؤال الذكاء الاصطناعي في أي وقت.

فلماذا لا نتوقف عن تخزين المعلومات ونركز فقط على معرفة كيفية الوصول إليها؟

لأن التفكير لا يحدث في فراغ.

لا يمكنك تقييم فكرة لا تعرف عنها شيئاً.

ولا يمكنك اكتشاف الخطأ في إجابة الذكاء الاصطناعي إذا لم تكن تمتلك معرفة كافية تجعلك تشك فيها أصلاً.

ولا تستطيع المقارنة بين حجتين إذا لم تكن لديك قاعدة معرفية تسمح لك بفهم ما الذي تختلفان بشأنه.

حتى الدراسة التي أظهرت مخاطر GPT Base تبدأ من حقيقة مهمة: أن الذكاء الاصطناعي قابل للخطأ، وبالتالي يحتاج المستخدم إلى القدرة على تقييم مخرجاته.

والقدرة على التقييم نفسها ليست زرّاً مستقلاً يسمى «التفكير النقدي».

إذا أخبرك الذكاء الاصطناعي أن دواءين يتفاعلان بطريقة معينة، فإن قدرتك على نقد الإجابة تختلف جذرياً إذا كنت طبيباً أو شخصاً لا يعرف شيئاً عن الطب.

وإذا أعطاك نموذج لغوي قطعة كود تبدو مقنعة، فإن خبرتك البرمجية هي التي تسمح لك برؤية المشكلة التي لا يراها المبتدئ.

كلما ازدادت قدرة الآلة على إنتاج إجابات تبدو صحيحة، ازدادت قيمة الإنسان القادر على معرفة متى لا تكون كذلك.

وهذه مفارقة أخرى، كلما أصبح الوصول إلى المعرفة الخارجية أسهل، ازدادت أهمية وجود قدر كافٍ من المعرفة داخلك للحكم عليها.

هل يجب أن نبتعد عن ChatGPT أثناء الدراسة؟

لا.

وهذا أحد الاستنتاجات الخاطئة التي يمكن أن نخرج بها من هذه القصة.

حتى تجربة طلاب الرياضيات لم تثبت أن «الذكاء الاصطناعي يضر بالتعليم».

لقد أثبتت شيئاً أكثر إثارة للاهتمام وهي أن طريقة استخدام الذكاء الاصطناعي قد تكون أهم من استخدامه نفسه.

النظامان في التجربة كانا مبنيين على GPT-4.

لكن أحدهما كان مستعداً للقيام بجزء كبير من العمل نيابة عن الطالب، بينما صُمم الآخر ليعطي تلميحات ويحافظ على قدر من المشاركة العقلية.

الأول رفع الأداء ثم صاحبه تراجع عندما اختفى.

الثاني رفع الأداء أثناء التدريب بصورة أكبر، والأهم أنه خفف بصورة كبيرة الضرر الذي ظهر عندما أُزيلت المساعدة.

وهنا ربما توجد صيغة أفضل للتعليم في عصر الذكاء الاصطناعي.

ليس أن نمنع الطالب من استخدام الآلة. ولا أن نسلم إليها عملية التعلم بأكملها. بل أن نستخدمها بطريقة تجعل الإنسان يفكر أكثر، لا أقل.

استخدم الذكاء الاصطناعي كمدرب، لا كبديل لعقلك

استخدم الذكاء الاصطناعي كمدرب، لا كبديل لعقلك

يمكن اختصار الفكرة في خمس قواعد بسيطة وهي:

  1. حاول قبل أن تسأل. أعطِ المشكلة محاولة حقيقية أولاً، حتى لو كنت تتوقع أنك ستفشل. وجود محاولة خاطئة لديك يجعل تفسير الخطأ أكثر قيمة من الحصول على حل جاهز منذ البداية.
  2. اطلب تلميحاً لا إجابة. بدلاً من «حل هذه المسألة»، جرب: «لا تعطِني الحل، أخبرني فقط ما الخطوة التالية التي ينبغي أن أفكر فيها».
  3. اجعل الذكاء الاصطناعي ينتقد تفكيرك. اكتب تفسيرك أو حلك أولاً، ثم اطلب منه البحث عن الثغرات. بهذه الطريقة يبقى إنتاج الفكرة مسؤوليتك وتتحول الآلة إلى مرآة لها.
  4. أغلق الأداة وحاول الاسترجاع. بعد أن تفهم الموضوع، ابتعد عن المحادثة واشرح الفكرة من الذاكرة أو أعد حل المشكلة وحدك. اللحظة التي لا تستطيع فيها الاستمرار هي أفضل مؤشر على المكان الذي لم تتعلمه بعد.
  5. فوّض ما لا تحتاج إلى التدرب عليه، لا ما تحاول تعلمه. إذا كان هدفك تعلم بناء حجة، فلا تجعل الذكاء الاصطناعي يبنيها. أما إذا كانت الحجة منك وتريد تدقيق الصياغة أو ترتيب المراجع، فهنا يمكن للتفريغ المعرفي أن يوفر وقتك لما هو أهم. هذا التمييز بين تفريغ الأعباء الثانوية وتفويض العمل العقلي الأساسي يتوافق مع ما تؤكد عليه الأدبيات الحديثة حول استخدام AI في التعليم.

المشكلة تبدأ عندما يصبح هدفنا إنهاء المهمة

هناك تحول صغير يحدث داخل العقل لحظة فتح ChatGPT.

قبل وجوده كان السؤال كيف أحل هذه المشكلة؟

الآن أصبح من السهل أن يتحول السؤال دون أن نلاحظ إلى، كيف أجعل هذه المشكلة تختفي من أمامي بأسرع طريقة ممكنة؟

وهذان هدفان مختلفان تماماً.

إذا كان الهدف إنهاء المهمة، فالذكاء الاصطناعي أداة مذهلة.

أما إذا كان الهدف أن تصبح شخصاً أفضل في أداء المهمة مستقبلاً، فقد تحتاج أحياناً إلى مقاومة أكثر الاستخدامات إغراءً للأداة.

وهذا لا ينطبق على الطلاب وحدهم.

الكاتب الذي يطلب من الذكاء الاصطناعي توليد كل أفكاره قد ينتج نصوصاً أكثر.

والمبرمج الذي يعتمد عليه في كل مشكلة قد يكتب كوداً أكثر.

والموظف الذي يفوض إليه كل تحليل قد ينهي تقارير أكثر.

مقاييس الإنتاجية كلها قد تتحسن.

والسؤال الذي يصعب قياسه هو هل تحسن الإنسان أيضاً؟

لأننا قد ندخل عصراً يصبح فيه الفرق بين الاثنين هائلاً.

الدراسة لم تعد من أجل معرفة الإجابة

وهذا يعيدنا إلى السؤال الذي بدأنا منه.

لماذا نتعب أنفسنا بالدراسة إذا كان الذكاء الاصطناعي يملك كل الأجوبة؟

ربما لأننا أسأنا فهم وظيفة الدراسة من البداية.

أنت لا تحل مسائل الرياضيات لأن العالم يعاني نقصاً في الإجابات النهائية.

ولا تقرأ التاريخ لأن التاريخ مخبأ في مكان ما ولن تستطيع الوصول إليه لاحقاً.

ولا تتعلم الكتابة لأن البشرية تحتاج منك أن تنتج ألف كلمة دون مساعدة.

نحن نفعل هذه الأشياء لأن العقل يتغير أثناء القيام بها.

المعرفة ليست مجرد مجموعة ملفات نحفظها داخل الدماغ.

إنها البنية التي نستخدمها لفهم معلومة جديدة، واكتشاف التناقض، وربط الأسباب بالنتائج، وطرح الأسئلة، ومعرفة متى تكون الإجابة السهلة أكثر سهولة مما ينبغي.

ربما يستطيع الذكاء الاصطناعي في المستقبل حل كل المسائل التي نضعها أمامه.

وقد يصل إلى مرحلة تكون فيها إجاباته أفضل من إجاباتنا في معظم المجالات.

لكن هذا لا يجعل التعلم بلا قيمة. بل ربما يجعل السؤال الحقيقي أكثر أهمية..

ماذا سيحدث للإنسان إذا أمضى سنوات يحصل على نتائج التفكير دون أن يمر بعملية التفكير نفسها؟

ليس لدينا بعد جواب كامل. والأبحاث حول التأثيرات طويلة المدى للذكاء الاصطناعي على التعلم ما تزال في بدايتها، كما يحذر الباحثون أنفسهم من تعميم تجربة واحدة أُجريت في مادة الرياضيات وفي مدرسة واحدة، خصوصاً أن نماذج الذكاء الاصطناعي وطريقة استخدام الناس لها تطورت كثيراً منذ خريف 2023.

لكن لدينا بالفعل سبب جيد لإعادة التفكير في علاقتنا بهذه الأدوات.

لا ينبغي أن يكون السؤال هل أستخدم الذكاء الاصطناعي أم لا؟

بل، أي جزء من هذه المهمة أريد من الآلة أن تنجزه، وأي جزء أحتاج أن أمر به بنفسي كي أصبح أفضل؟

قد تكون تلك إحدى أهم مهارات عصر الذكاء الاصطناعي.

أن تعرف متى تستفيد من الآلة. وأن تعرف، في الوقت نفسه، متى ترفض الإجابة الجاهزة وتختار أن تتعب قليلاً. لأن ذلك التعب، أحياناً، هو التعلم نفسه.

مهند داود
الكاتبمهند داود
مدير تحرير موقع أبو عمر التقني