الأحد, ديسمبر 5, 2021
مراجعات

مراجعة لعبة The Dark Pictures: House of Ashes

بعد مغامرة هلوسية في وسط المحيط الهادئ في لعبة Man of Medan، ودوامة مرعبة في قرية أمريكية معزولة في لعبة Little Hope، تأخدنا الآن سلسلة ألعاب الرعب Dark Pictures إلى صحاري العراق في بداية الألفية الحالية مع House of Ashes والتي من خلالها يقوم المطور بكل ما يلزم لتوظيف بعض مصادر الإلهام المعروفة في الإطار التفاعلي المعهود من المطور، والذي لا يقل في المستوى عن بعض الإنتاجات الكبيرة في جانبي السرد القصصي والإخراجي الفني.

تطور اللعبة بعض المفاهيم السابقة التي رأيناها في الإدخالات الماضية، ويبدو أن المطور يحاول جاهدًا التركيز على إبقاء اللاعبين منتبهين وفي حالة تركيز مستمر من خلال ترك الحرية لهم ليفكروا ويبحثوا عن الأسرار والحقائق بأنفسهم.

لكن في نفس الوقت هذه الخيارات أثرت بالسلب على بعض اللمسات الفنية والسينمائية التي تعودنا عليها دومًا من المطور، كما سنناقش اليوم في هذه المراجعة.

مراجعة لعبة The Dark Pictures: House of Ashes…

اختبار مصيري لمعاني الصداقة والإنسانية


تدور أحداث House of Ashes في العراق في نهاية عام 2003، وتحديدًا بعد أيام قليلة من القبض على صدام حسين. وفقًا لتحليل العقيد إريك كينج واستنادًا إلى اكتشافات الأقمار الصناعية، أرسل الجيش الأمريكي دورية من الجنود في مهمة بهدف تحديد مواقع بعض أسلحة الدمار الشامل الكيماوية التي أخفاها الديكتاتور، وبمجرد الوصول إلى المنطقة النائية، تتعرض مجموعة الأبطال المكونة من العقيد وزوجته وملازم ومراقب أمريكيين لهجوم من قبل مجموعة من الجنود العراقيين الذين لديهم موالاة لا تتزعزع للحرس الجمهوري العراقي ومنهم أحد الأبطال الرئيسيين الملازم سليم عثمان.

تبع ذلك معركة عنيفة بإطلاق النار أسفرت عن وقوع إصابات في كلا الجانبين، ولكن مثل أي فيلم رعب يسوء الوضع من خلال بدء بعض التصدعات الأرضية في الانفتاح في المنطقة من حولهم، مما يتسبب في غرق الرمال والمباني وطبعا الأشخاص تحت باطن الأرض.

لم يتخيل الناجون من كلا الطرفين أن هذا الأمر سيكون بداية لكابوس حقيقي، له جذوره العميقة في العصور القديمة، ومتعلق بمملكة أسطورية تحت سيطرة ملك ليس لديه أي مشكلة في سفك الدماء من أجل تحقيق أهدافه المجهولة.

House of Ashes

تتبع House of Ashes هيكل السرد الذي تم تطبيقه في الأجزاء السابقة، والذي يمزج بين ألعاب الفيديو التفاعلية والتجارب السينمائية مع طاقم من خمسة شخصيات ستتبادل اللعب بينهم بالتناوب خلال الحوارات ومقاطع الاستكشاف والمطاردات حتى الانتهاء من القصة التي تستغرق من 4-6 ساعات لرؤيتها بالكامل.

معظم أحداث اللعبة تدور هذه المرة في أنقاض ما يشبه المعبد القديم، وهو مكان بارد ومظلم مكون من أنفاق خانقة ومرعبة، تسكنها ما يبدو مثل الكائنات ذات الأجساد المُشوهة والمتعطشة للدماء.

من ناحية، يمكن للاعب الواحد بمفرده أن يتحكم في جميع الشخصيات في نفس الوقت، ويجمع الأحجار الهيروغليفية والمقتنيات ويضغط على إجراءات الوقت السريع في الأوقات المحددة، ومن ناحية أخرى يمكن مشاركة التجربة مع ما يصل إلى 5 لاعبين في نفس الوقت محليًا أو عبر الإنترنت من خلال إعارة وحدة التحكّم أو عقد جلسة جماعية عبر الإنترنت، وإعطاء الفرصة لكل لاعب لاختيار مصير الشخصية التي يتقمصها من خلال العديد من المسارات المنفصلة والتسلسلات المختلفة المبنية على اختيارات اللاعب، وبراعته في السيطرة على إنفعالاته أثناء تعرضه لكل ما هو مرعب وغامض خلال تجواله في الأنفاق.

الوحوش نادرًا ما تكون مرئية في هذه اللعبة، وفي الواقع يمكن التعامل مع كل ما تراه كأنه استعراض كبير لأهم مصادر الإلهام التي تقتبس منها اللعبة رهاب الأماكن المغلقة، أهمها فيلمي الرعب The Descent و The Cave، بالإضافة إلى العديد من الإشارات المختلفة إلى The Exorcist و Aliens و Mountains of Madness لكاتب الرعب المعروف إت بي لوفكرافت.

العناصر الإبداعية حقًا قليلة للغاية، ولكن تستمر House of Ashes في ابهارنا على أي حال من البداية وإلى النهاية، وهذا يعود جزئيًا إلى طريقة تقسيم الحبكة وتطوراتها، وبشكل كبير يعتمد على الشخصيات وطريقة توظيفها في هذا المزيج الرهيب من التراث المرعب والمحبوب كثيرًا.

House of Ashes

يتمكن المطور هذه المرة على عكس الإدخالات السابقة من جعل الشخصيات مثيرة للإهتمام من خلال عرض خطط وأحلام وطموحات لكل منهم (الكثير منها لم يتحقق بالطبع) من البداية بدلًا من وضعهم فقط في المكان والوقت الخاطئين.

علاقات الشخصيات المتبادلة كذلت توفر الكثير من التوتر الإضافي، مثل جاسون الذي تحركه صدمه من ماضيه القريب وتهز مواجهة مفاجئة مع جندي عدو نظرته للعالم بأكمله، أو إريك ورايتشل الزوجان المنفصلان الذان يعيشان في علاقة متوترة بسبب خيانة أحدهما، ومن ثم هناك سليم الجندي العراقي الذي يجد نفسه في عرين الأسد، ويتبين سريعًا أنه القلب العاطفي والمحور الأساسي لقصة اللعبة بالكامل.

أحد الموضوعات المهمة في House of Ashes هو الخط الفاصل بين الصديق والعدو، والذي يصبح رفيعًا للغاية في الظروف المحتدمة. هل من المناسب دفن الأحقاد والضغائن السياسية والعاطفية في مواجهة الشر الأكبر والأعظم؟

إذا حدث ذلك بالفعل، هل سينتهي الأمر ببذرة حياة جديدة مسالمة، أم أن الإنسان لا يغير جلده فعلًا كما يُقال؟ كل هذه الأسئلة وأكثر يتم طرحها هنا، وتُتاح لك الفرصة أيضًا للإجابة عليها بنفسك في إطار مصيري يجعل عواقب الاختيار (أو عدم الاختيار) وخيمة. ومع وجود حوالي 60 طريقة مختلفة لموت الشخصيات، هناك الكثير من المواقف الحيوية التي ستختبر مدى صلابة اللاعب وثباته على مبادئه.

هذا الأمر يُترجم كذلك بسهولة إلى قابلة الإعادة الكبيرة التي تدعمها هذه السلسلة من الألعاب خصيصًا دونًا عن غيرها، وبراعتها في تحفيز اللاعبين على الانتباه والتفكير المستمرين لمدة لا بأس بها.

هناك بعض الإضافات المُرحب بها كذلك والتي بدأت بها Little Hope في الماضي، مثل إعطاء تحذير بسيط وسريع قبل ظهور علامة الاختيار التفاعلي QTE على الشاشة، والاختيار من بين ثلاثة صعوبات مختلفة تتحكم في مساحة الوقت المُتاحة لك للاختيار، والحاجة إلى ضغط الزر بشكل تكراري أو مستمر أو لمسه مرة واحدة لا أكثر.

House of Ashes

بالنسبة لما تفعله House of Ashes، فهي تتيح لك الآن أن تكون قادرًا على التحرك بحرية أثناء تدوير زوايا الكاميرا ما تشاء، ولكن بالنظر إلى أن معظم البيئات مُغلقة للغاية وضيقة، مع مساحات ضئيلة للاستكشاف والمناورة، وجدنا أن هذه الإضافة بلا فائدة، وفي الواقع افتقدنا كثيرًا زواية التصوير السينمائية الثابتة التي كانت مُستخدمة بكثافة في الماضي، لما لها من تأثير مرعب وساحر على نفسية اللاعب وإحساسه بالعجز في الكثير من الأوقات، ويمكن أن نقول أن هذا التغيير انتقص كثيرًا من قدرة التعبير السينمائي لهذه اللعبة عن الأجزاء السابقة.

بصراحة لا نعرف فعلًا لماذا تم إتخاذ هذا الإتجاه الجديد لأن البيئات ليست معقدة إطلاقًا وجميع الممرات خطية إلا بعضها الذي يحتوي على مفترق طرق واحد لا أكثر. لم يكن هناك أي تطور فيما يتعلق بتصميم المستويات ولا تزال أشكالها أولية ومُبتذلة. ميكانيكا الحركة كذلك لا توجد فيها أي فكرة جديدة، ونحن نتفهم أن المطور ربما قام بذلك حتّى لا يشعر اللاعبون بالضجر أثناء جلسات المشاهدة الطويلة، ولكن في النهاية نعتقد أن بهذه الطريقة خسرت اللعبة أكثر مما كسبته، وكان من الأفضل الاستقرار على الجانب السينمائي من التجربة بالكامل.

المشاهد السينمائية المُستخدمة تظل جذابة بالطبع كما تعودنا دائمًا من المطور، وهذا يعود للإخراج الفني المتميز والاستخدام المبهر للأصوات والتي تستخدم بالطبع تقنية معالجة الصوت Dolby Atmos الخاصة بأجهزة إكس بوكس سيرس (النسخة التي قمنا بتجربة اللعبة عليها)، لتعرض الشعور بالفراغ الكبير والأعماق الكبيرة للأرض، والضوضاء المزعجة، وتدفقات الهواء وصرير الخفافيش والأصوات المدوية وسلسلة كاملة من التأثيرات التي تكاد تسمعها في بعض الألعاب الأخرى، لكن هنا تشعر بها بشكل متكامل وتعرف الموضع الدقيق لمصدر كل منها حتى إذا كنت تستخدم سماعات أذن عادية.

كلمة أخيرة

تحتوي جميع ألعاب The Dark Pictures على ترجمة كاملة للقوائم والنصوص، ولكن الإطار العربي هنا يصنع فرقًا ليست في الكلمات المكتوبة فقط وإنما في الدبلجة كذلك.

الترجمة مقبولة بشكل كبير ولكن يبدو أن المترجم كان لديه بعض الحيرة في ترجمة الفروق الدقيقة بين الكلمات وطبيعتها في السياق، بالإضافة إلى أن بعض الشخصيات تستخدم اللهجة المصرية وليس العراقية في الحديث مع العراقيين، ورغم أن هذا لا يصنع فرقًا كبيرًا إلا أنه كان من الممكن زيادة الواقعية من خلال توظيف متكلم عراقي حقيقي لتغطية العجز في الدبلجة.

يوجد كذلك جميع المحتوى الخاصة بصناعة اللعبة وطور Curator’s Cut الذي يضيف نظرة جديدة واختيارات بديلة متوفرين منذ يوم الإطلاق الأول للعبة لذا لا داعي للقلق بشأن توفرها في تحديثات مستقبلية قادمة، ولكن للأسف هذا الأمر متوفر فقط لمن طلبوا اللعبة مسبقاً، أما من قام بشراء اللعبة يتوجب عليه الانتظار لحين توفر نسخة Curator’s Cut في تحديث مجاني مستقبلي.

تمثل House of Ashes خطوة إلى الأمام من حيث النصوص والأجواء العامة وخلفيات الشخصيات والإدراك الفني لمصادر الإلهام، ولكن ياخذ أسلوب اللعب خطوة إلى الوراء من خلال التحسينات والقرارات التي لا تفيد الإتجاه السينمائي العام للعبة، بل تؤثر عليه بالسلب في بعض الأحيان، ولكن في المجمل لا نزال نحترم توجه المطور وحبه البالغ لأعمال الرعب وأصالتها وتفاصيلها الدقيقة وبراعته في نقلها واختيار أفضل الممثلين لمساعدة اللاعبين على الانغماس في هذه التجارب المرعبة بشكل جديد وتفاعلي مع الأصدقاء.

اجمالي التقييمات

التقييم العام8

الإيجابيات

  • شخصيات ذات عمق مختلف وخلفيات سياسية جذابة
  • مستويات صعوبة متعددة
  • القدرة على التحرك بحرية واستكشاف بعض المناطق أثناء اللعب
  • توظيف العديد من مصادر الإلهام بشكل احترافي
  • دعم الأصوات على إكس بوكس سيريس يرفع من مستوى التجربة
  • ترجمة عربية كاملة للقوائم والنصوص

السلبيات

  • عدم استخدام زواية الكاميرا الثابتة يؤثر على قوة عرض بعض المشاهد
  • طور Curator's Cut متوفر حاليًا لمن قاموا بالطلب المُسبق للعبة
  • بيئات لعب غير معقدة وخطية معظم الوقت

الملخص

8 The Dark Pictures: House of Ashes تجربة رعب ممتعة تظهر فيها براعة المطور في نقل إحساس الكلوستروفوبيا بأشكال متعددة ستجعلك تعيش بعض لحظات الألم والتوتر الحقيقية، ولكن لا تزال تتطلب صيغة اللعب بعض التحسينات لتخرج رؤية المطور بأفضل صورة ممكنة.

محمد حسن
الكاتبمحمد حسن
محرر تنفيذي
أغطي صناعة ألعاب الفيديو وأكتب عن اللاعبين والمؤتمرات والمراجعات على جميع المنصّات.
X