افتح فيس بوك أو إكس (تويتر سابقاً) أو أي شبكة اجتماعية أو منصة إعلامية تقرأ فيها عادة، تصفح أول خمسة منشورات تظهر لك. هل لاحظت شيئاً؟
الجميع يبدو متشابهاً، نفس الأسلوب، نفس البنية، نفس الحماس المصطنع وحتى نفس أسلوب تصاميم الجرافيك المرفقة مع هذه المنشورات.
تشعر وكأن شخصاً واحداً كتب كل شيء بأسماء مختلفة.
لا صوت حقيقي، لا شيء يجعلك تتوقف وتفكر.
هذا ليس انطباعي الشخصي، بل ما تقوله البيانات أيضاً:
- 74% من الصفحات الجديدة على الإنترنت تحتوي على محتوى مُولَد بالذكاء الاصطناعي، وفقاً لتحليل شمل 900 ألف صفحة عام 2025 (المصدر)
- ما بين 30 إلى 40% من النصوص على الصفحات النشطة حالياً كُتبت بالذكاء الاصطناعي، وهذا الرقم يرتفع كل شهر.
- حوالي 86% من منشئي المحتوى الرقميين حول العالم يستخدمون الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتواهم، أي أن ما تعتبر أنك تقرأه “من شخص حقيقي” ليس بالضرورة كذلك. (المصدر)
لا تحتاج إلى هذه الأرقام لتصدق ما تراه، لأننا بالفعل نعيشه كل يوم، لكن هذه الأرقام تثبت أن ما تشعر به ليس أوهاماً بل هو الواقع.
الإنترنت لم يمت، لكنه أصبح زومبي. جسده يتحرك، لكن روحه غادرت.

في 24 مارس 2026، أعلنت شركة OpenAI عن إغلاقها تطبيق Sora أداتها لتوليد الفيديو بالذكاء الاصطناعي التي أطلقتها قبل ستة أشهر فقط.
الأرقام كانت صادمة: 15 مليون دولار تكلفة يومية، في مقابل 367 ألف دولار إيرادات شهرية، شركة تحرق المال وتُنتج محتوى لا يريده أحد.
لكن الإغلاق ليس مجرد خبر مالي، بل مؤشر.
يقول هذا الإغلاق لنا شيئاً لا تقوله الشركات الكبرى بصوت عال: الناس سئموا من المحتوى المُولد بالذكاء الاصطناعي. الانتشار الفيروسي لا يعني القبول، والضجة لا تساوي قيمة حقيقية.
الانتشار الفيروسي أثبت أن الناس يريدون رؤية الأداة، لكن ليس العيش مع ما تنتجه
في الفضاء الرقمي العربي، الوضع له نكهة خاصة
المحتوى العربي على الإنترنت كان يعاني أصلاً من مشكلة الجودة قبل الذكاء الاصطناعي. محتوى يُعاد تدوير أفكاره عشرات المرات.
مقالات تُكتب لمحركات البحث لا للقارئ، ومنشورات تُصنع للتفاعل لا للمعنى.
والذكاء الاصطناعي لم يحل هذه المشكلة بل ضاعفها.
اليوم (على إكس مثلاً) تجد حسابات تنشر 20 منشوراً في اليوم. تغريدات تبدو مكتملة لكنها فارغة تماماً من أي صوت حقيقي.
ردود على التعليقات بنفس الأسلوب الآلي لأشخاص مختلفين. وكأن نصف الإنترنت العربي يكتبه شخص واحد لا يعيش بيننا.
والأخطر: أصبح من الصعب أن تميز، ليس لأنك غير قادر على ذلك، بل لأن أدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت تجيد التقليد.
المشكلة ليست أن الذكاء الاصطناعي يكتب بشكل سيء، المشكلة أنه يكتب بشكل جيد يكفي لأن يخدعك، لكن فارغ بما يكفي لأن يُفقدك شيئاً لا تستطيع تسميته.
لماذا يحدث هذا؟
الجواب البسيط: لأن المحتوى المنتج يبدو أنه يعمل.
ليس لأن الناس يحبونه، بل لأن الخوارزميات لا تميز بعد.
إذا نشرت 100 مقال أو منشور بجودة متوسطة، فغالباً ستحصل على أضعاف ما تحصل عليه من عشرة مقالات بجودة عالية.
هذه ليست استراتيجية محتوى، بل هي مزرعة تفاعل. حقل يُزرع فيه الضجيج ويحصد منه الانتباه، دون أن يستفيد أحد من المحصول.
والذكاء الاصطناعي الذي يستطيع العمل باستقلالية أكبر سيجعل هذا أسوأ بكثير، ليس ضعف المشكلة بل ربما عشرة أضعاف. وهو قادم قريباً
أين يقف الإنسان الحقيقي في كل هذا؟
المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي لا يؤذيك شخصياً، بل يسرق شيء ثمين منك: وقتك وانتباهك، مثل شخص يتحدث إليك لساعة تم تكتشف أنه كان نائماً.
الفرق بين المحتوى المنتج بالذكاء الاصطناعي وبين “المحتوى البشري” ليس في كيفية توليد المحتوى، بل هو في وجود إنسان يقرر ويوجه ويتحمل مسؤولية ما يقوله.
الذكاء الاصطناعي كأداة في يد إنسان واع يعرف كيف يوجهه شيء، لكن ترك الذكاء الاصطناعي يعمل وحده لملء الفراغ شيء آخر تماماً.
ماذا يعني هذا لنا؟
بعد إغلاق Sora يبدو أن السوق يصحح نفسه ببطء، فالناس لا يدفعون مقابل محتوى من هذا النوع، بينما منصات أخرى التزمت بالمحتوى البشري كاملة يبدو أنها تنمو وتزدهر، بينما في أماكن أخرى التجربة تتدهور بوضوح.
مع الوقت ربما تظهر مجتمعات على الإنترنت تشترط الهوية البشرية ليس كحل نهائي بل ربما كملاذ مؤقت لمن يريد أن يقرأ إنساناً حقيقياً ويتحدث إلى إنسان حقيقي.
في السياق العربي تحديداً، الفرصة الآن أمام من يكتبون بصوت حقيقي، لأن الصوت الحقيقي أصبح نادراً، والندرة تصنع القيمة.
في إنترنت يملؤه الذكاء الاصطناعي، الصوت البشري الحقيقي لم يصبح أقل قيمة بل أكثر ندرة، وهذا يعني أنه أصبح أكثر قيمة من أي وقت مضى.



