هذه هي الوظيفة الأكثر طلباً في عالم الذكاء الاصطناعي

ليست البرمجة، وأنت تمارسها على الأرجح دون أن تعرف

إن كانت لديك معرفة ممتازة في التقنية فربما أصدقائك أو أحد أفراد عائلتك استفسر منك عن بعض أجوبة الذكاء الاصطناعي غير المنطقية، وطلب مساعدتك في جعله يُقدم إجابات ملائمة لما يريده.

إن كنت كذلك بالفعل، فأنت تؤدي الوظيفة الأكثر طلباً في اقتصاد الذكاء الاصطناعي.

قبل سنتين، لو سألت أي مسؤول في شركة تقنية: ما أهم مهارة في عصر الذكاء الاصطناعي؟ فغالباً ستسمع إجابة واحدة: البرمجة. بايثون. تعلم الآلة. علم البيانات.

لذلك وصلنا إلى نقطة معينة وجهنا فيها جيل كامل من البشر نحو البرمجة، وإذا لم تتعملها فأنت خارج اللعبة. جعلنا في حينه علوم البرمجة الملاذ الآمن الوحيد في العصر الرقمي.

ثم حدث شيء لم يتوقعه أحد.

البيانات تقول إن أكثر مهارة مطلوبة في وظائف الذكاء الاصطناعي اليوم ليست البرمجة، بل التصميم.

حللت شركة Autodesk حوالي 3 ملايين إعلان وظيفي وخرجت بنتيجة صادمة: التصميم تجاوز الخبرة التقنية كأعلى مهارة مطلوبة. وخلفه مباشرة في القائمة: التواصل والقيادة.

وقبل أن تتوقف عن قراءة هذا المقال وتقول “أنا لست مصمماً”، دعني أشرح لك ما يعنيه التصميم هنا فعلاً. لأنه ليس ما تظن.

ما المقصود بـ “التصميم” في عالم الذكاء الاصطناعي؟

حين تسمع كلمة “تصميم” ربما يتبادر لذهنك شخص يجلس أمام شاشة ويختار مجموعة من الأيقونات والألوان والخطوط. هذا تصميم بصري، وهو مجال محترم ومهم. لكنه ليس ما تعنيه الشركات حين تطلب “مهارات تصميم الذكاء الاصطناعي” اليوم.

ما تعنيه هو شيء أعمق وأقرب إليك بكثير. دعني أشرحه بثلاثة أسئلة بسيطة:

السؤال الأول: كيف يجب أن يتحدث الذكاء الاصطناعي مع الإنسان؟

مثال: شركة توظّف ذكاءً اصطناعياً ليرد على استفسارات العملاء. المهندس بنى النظام وهو يعمل تقنياً. لكن حين يكتب العميل “أنا محبط جداً وأريد إلغاء اشتراكي”، ماذا يُفترض أن يجيب النظام؟ “تم استلام طلبك”؟ أم “أنا آسف لما تمر به، دعني أرى كيف أساعدك”؟ الفرق بين الجوابين ليس برمجة، بل التصميم.

السؤال الثاني: متى يتدخل الذكاء الاصطناعي ومتى يصمت؟

مثال: نظام ذكاء اصطناعي داخل شركة يراقب رسائل الفريق ويقترح ردوداً. هل يقترح في كل رسالة؟ أم فقط حين تتأخر الردود؟ أم فقط في رسائل العملاء دون رسائل الفريق الداخلية؟ تحديد هذا ليس قراراً تقنياً، هو قرار تصميمي يتعلق بفهم كيف يعمل البشر وماذا يريدون.

السؤال الثالث: كيف يشعر المستخدم بعد تفاعله مع النظام؟

مثال: موظف يستخدم أداة ذكاء اصطناعي لكتابة التقارير. بعد الاستخدام، هل يشعر أن الأداة ساعدته وبقي هو المتحكم؟ أم يشعر أن الأداة كتبت بدلاً منه وهو فقط راجع؟ الفرق في الشعور يؤثر على ما إذا كان سيستخدمها غداً أم لا. تصميم هذا الشعور هو العمل الحقيقي.

التصميم في عالم الذكاء الاصطناعي هو: فهم الإنسان أولاً، ثم تشكيل الأداة حول هذا الفهم وليس العكس.

بنينا المحرك قبل أن نبني عجلة القيادة.

هذه هي المشكلة الحقيقية التي تعيشها الشركات اليوم. النماذج الذكية موجودة ومتطورة وقوية. لكن حين تُدخلها في بيئة عمل حقيقية، تحدث مقاومة. الموظفون لا يستخدمونها. أو يستخدمونها ثم يشتكون أنها “غريبة” أو “مزعجة” أو “لا تفهم قصدي”. أو ينتجون بها نتائج صحيحة تقنياً ولكنها خاطئة عملياً.

شركة Forrester تصف المرحلة القادمة بأن الذكاء الاصطناعي سيتحول من “مرحلة الضجيج” إلى “مرحلة النتائج الفعلية”. الشركات لن تشتري تقنيات مثيرة، ستشتري أدوات تعمل. والعائق الأكبر لم يعد في الكود البرمجي بل في المحادثة.

الذكاء الخام أصبح سلعة. سهولة الاستخدام هي الندرة الحقيقية.

من يقوم بهذا العمل فعلاً؟

ليسوا دائماً من يحملون لقب “مصمم”. في الواقع، هذا الشخص في كثير من الشركات يمكن أن يكون:

  • مدير العمليات الذي لاحظ أن الفريق لا يستخدم الأداة الجديدة وجلس معهم ليفهم لماذا، ثم اقترح تعديلات على طريقة عمل النظام.
  • موظف خدمة العملاء الذي جمع أكثر الأسئلة تكراراً وصاغ إجابات يشعر معها العميل أنه يتحدث مع إنسان لا مع آلة.
  • المعلمة التي طوّرت طريقة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الفصل بحيث يشعر الطالب أنه يتعلم لا أن الآلة تفعل الواجب عنه.
  • المحاسب الذي لاحظ أن تقارير الذكاء الاصطناعي صحيحة أرقاماً لكنها لا تُجيب عن السؤال الحقيقي الذي يطرحه المدير، فأعاد صياغة طريقة الاستفسار.

هؤلاء جميعاً يمارسون تصميم الذكاء الاصطناعي. لكنهم لا يعرفون ذلك بعد.

عقد كامل أمضيناه نُقلل من قيمة المهارات الإنسانية. الفنون والإنسانيات والتواصل والقيادة صارت تُذكر بنبرة الاعتذار. “دراسة محترمة، لكن ما فيها وظائف.”

ركضنا جميعاً نحو وظائف STEM كأنه الملاذ الوحيد.

والآن، حين أعطت التقنية الجميع قوة حسابية لا محدودة، تبيّن أن الشيء الوحيد المتبقي الذي يصنع الفارق هو مدى فهمك للإنسان الذي يستخدم هذه القوة.

الذكاء العاطفي. القدرة على قراءة ما وراء الكلمات. معرفة متى يكون الجواب “صحيحاً تقنياً” لكن “خاطئاً إنسانياً”. الحدس الذي يميّز بين الأداة التي تُساعد والأداة التي تُزعج.

هذه ليست مهارات ناعمة. هي المهارات الأصعب في العالم، لأن لا آلة تستطيع اكتسابها بشكل كامل، ولا دورة مدتها أسبوعان تمنحها لك.

أمضينا عقداً نُدرس الناس كيف يفكرون مثل الآلات. المرحلة القادمة تحتاج من يُعلّم الآلات كيف تتعامل مع البشر.

إن كنت تجلس الآن وتشعر بغصة خفيفة لأنك “لا تجيد البرمجة”، توقف لحظة.

السوق تحوّل. ليس لأن البرمجة لم تعد مهمة، بل لأن الشركات حلّت مشكلة الكود وانتقلت إلى المشكلة التالية: كيف نجعل البشر يريدون فعلاً استخدام ما بنيناه؟

العمل الصعب للعقد القادم ليس جعل الآلات أذكى. هو تصميم عالم نريد نحن أن نعيش فيه معها.

وإن كنت الشخص الذي يفهم البشر، فأنت الشخص الذي يحتاجه هذا العالم الآن.

المهارة التي قيل لك إنها “غير عملية”، أصبحت اليوم أكثر المهارات عملياً.

مهند داود
الكاتبمهند داود
مدير تحرير موقع أبو عمر التقني