الذكاء الاصطناعي لا يساعدك على القراءة بل يسرق الفائدة الوحيدة منها

لديك خمسة كتب على الطاولة. لم تفتح أياً منها. الذكاء الاصطناعي يجعلك تظن أنك تقرأ، بينما تضيع الفائدة كاملاً

على طاولتك الآن كتاب اشتريته مؤخراً أو ربما خمسة كتب.

اشتريتهم في لحظات من الحماس الصادق. ربما بعد بودكاست ألهمك على يوتيوب، أو توصية من شخص تحترم رأيه، أو لحظة في معرض الكتاب حين شعرت بأنك ستتغير حين تقرأ هذا الكتاب.

وضعت هذه الكتب على الطاولة بنية حسنة وملاحظة مكتوبة تقول: “سأعود لقرائتك قريباً”

لكنك لم تعد.

فعلت ما يفعله الإنسان العصري “الذكي”: رفعت الملف على تطبيق ذكاء اصطناعي يقرأ لك الملف.

والآن الذكاء الاصطناعي يقرأ لك، بصوت دافئ وواثق، بينما أنت تتصفح هاتفك بيدك الأخرى وتنصت بنصف أذن، وحين تضغط على “اسألني أي شيء” وتطلب ملخص الفصل الأول للكتاب في عشرة أسطر، يصلك الجواب في ثوان: نظيف، منظم، شبه مريح.

أنت لم تقرأ الكتاب. بل أضعت الفائدة الحقيقية منه.

والمشكلة أنك تصدق هذه الخدعة.

القراءة كانت يوماً نوعاً من الاستسلام.

حين تفتح كتاباً، فأنت تقبل صفقة ضمنية: أنت تُعطي انتباهك بالكامل للكاتب لكي يقودك في هذه الرحلة، حتى حين يكون بطيئاً أو محيراً أو مملاً قليلاً. أنت لا تتحكم في الوتيرة ولا تختار ما يقوله. فقط تتبعه.

في هذه العملية هناك شيء نادر جداً في حياتنا اليوم: لحظة تتوقف فيها عن كونك من يدير الأمور.

تذكّر آخر مرة قرأت فيها صفحة وأعدت قراءتها مرتين لأن جملة واحدة ضربتك في مكان لم تتوقعه. أو حين أغلقت الكتاب لدقائق وأنت تنظر إلى سقف الغرفة، لأن ما قرأته دفعك إلى أن تفكر في شيء لم تفكر فيه من زمن بعيد. أو حين بكيت، أو كدت، وأنت لوحدك في الغرفة، وشعرت بخجل لطيف من أن جملة في كتاب لامست قلبك.

هذا لا يحدث الآن حين تطلب ملخصاً من الذكاء الاصطناعي لتقرأه في ثوان معدودة.

الملخص يعطيك المعلومة. لكن القراءة الحقيقية تعطيك شيئاً لا اسم له، شيء يغيّر الطريقة التي تنظر بها إلى الحياة في الصباح التالي.

تخيّل المشهد التالي

الساعة التاسعة ليلاً تجلس فاطمة وهي أم في الثلاثين من عمرها لتتناول رقائق البطاطس وأمامها كتاب اشترته قبل أسابيع عن التربية، على أمل أن يشرح لها الكتاب كيفية التعامل مع نوبات الغضب التي تصيب طفلها.

ثم تفكر بأنه ليس لديها أربع ساعات لتقرأ عن علم نفس الأطفال.

فتسأل شات جي بي تي: “ما الخطوات الثلاث التي يقترحها الكتاب لحل مشكلة نوبات الغضب؟

يأتيها الجواب فوراً. قائمة مرتّبة، واضحة، عملية.

وحينها أغلقت المحادثة والكتاب في آن واحد، لأنها اعتقدت أنها وصلت إلى النتيجة التي تبحث عنها.

لكنها فوتت شيئاً. الكتاب في فصوله الوسطى كان يحكي قصص أمهات أخريات مرّوا بما تمر به، بدقة مؤلمة. كان يجعلها تشعر أنها ليست وحدها. كان يجلس معها في التعب بدل أن يعطيها مهمة جديدة.

ليلة كان يمكن أن تشعر فيها فاطمة بالمؤانسة، تحولت إلى محادثة دعم فني.

نحن نعرف هذا النمط جيداً في ثقافتنا

في العالم العربي، أصبحت كلمات مثل “أنا أقرأ كثيراً” جزءاً من الهوية المهنية المثالية. تُذكر الكتب في السير الذاتية. وتُنشر صور أكوام الكتب على انستقرام. ويُستشهد بها في المحادثات كأوسمة على الثقافة. لكن السؤال الحقيقي ليس كم قرأت، بل كم غيرك ما قرأت؟

الطالب الذي يختبر مادة التاريخ المدرسية بالذكاء الاصطناعي يحصل على تواريخ الحرب دون أن يشعر بثقلها.

المدير الذي يستخرج “التوصيات” من سيرة ذاتية لموظف دون أن يقضي وقتاً في فهم الشخص، يحصل على نتائج غير واقعية.

نحن نتقن سحب ما نظن أننا نحتاجه، ولكننا نفشل يوماً بعد يوم في الوصول للأشياء التي نريد الوصول لها فعلاً.

ثمة شيء آخر لا نتحدث عنه بما يكفي.

حين تقرأ كتاباً ورقياً، أنت صندوق أسود. لا أحد يرى أي جملة جعلتك تتوقف. لا أحد يرى أنك أعدت قراءة الفقرة ذاتها ثلاث مرات. لا أحد يرى الدمعة. لا أحد يرى أنك وضعت الكتاب جانباً وفتحت رسائلك القديمة لأن ما قرأته أيقظ شيئاً كنت تظن أنك نسيته.

وهذا الشعور لن تستطيع الوصول له مع أي نظام ذكاء اططناعي يلخص لك كتاباً.

القراءة كانت المكان الأخير الذي تبقى فيه وحدك حقاً مع أفكارك. ونحن نتنازل عنه بكل سعادة مقابل ملخص من قائمة نقاط.

بالطبع لا أقول تخلَ عن استخدام الذكاء الاصطناعي، فليس هذا الدرس المستفاد.

الدرس هو أن تسأل نفسك سؤالاً واحداً فقط: هل أنت على استعداد لأن يكون في حياتك شيء ذو معنى؟

كتاب تفتحه لأنك لا تريد ملخصاً. لا تريد نقاطاً قابلة للتطبيق. لا تريد منشوراً على لينكدإن يثبت أنك قرأته. تريد فقط أن تعيش داخل عالم لم تبنه أنت، وأن على ثقة أن هذا الوقت لم يذهب سدى.

المميز في القراءة الحقيقية أنها لا تنتج شيئاً ملموساً في اليوم ذاته. تغيّرك ببطء، وبصمت، وبطريقة لا تستطيع شرحها في منشور على فيس بوك.

الكتاب لا يزال على الطاولة. لا يزال يحمل ثقله. والسؤال ليس هل لديك وقت لتقرأه، بل هل لا تزال تسمح لشيء ما بأن يغيرك؟

مهند داود
الكاتبمهند داود
مدير تحرير موقع أبو عمر التقني