مؤخراً انتشر على الشبكات الاجتماعية أشخاص يشاركون لقطات شاشة حول دردشات تجري بينهم وبين شات جي بي تي يطلبون فيها بناءً على المحادثات معه أن يكتب لهم وصف خاص بهم أوما يعتقده بخصوصهم.
يبدو الأمر بريئاً حين تراه أول مرة على وسائل التواصل. ستحصل على إجابات مثل كنت هذا العام فضولياً أو مهتماً بالمستقبل.
ثم، دون مقدمات، يأتي الشيء الذي نسيت أنه يعرفه عنك.
في تلك اللحظة ثمة شعور خاص يضربك.
ليس الخجل تماماً. وليس الخوف تماماً. شيء بينهما، كأنك تلقيت إشعاراً بأن أحدهم نشر تسجيلاً علنياً لأسوأ أفكارك.
ثم تفكر وتقول: يا ربي كيف يعرف كل هذا؟
ثم تتذكر: أنا من أخبرته!!!
ربما في العالم العربي، لهذا الشعور ثقل مختلف، كون ثقافتنا لا تشجع على البوح العلني بالضعف، لا مع الأصدقاء، ولا مع الأسرة في الغالب. فأصبح هذا الصندوق الصغير في هاتفك أول مكان تقول فيه بعض الأشياء بصوت عال، أو بأصابع مرتعشة في منتصف الليل.
وهذا بالطبع ليس ضعفاً. هذا احتياج إنساني حقيقي وجد أداة جديدة يُعبر عنها بها. لكن الأداة تحتفظ بكل شيء
هناك لحظة لم يكتب عنها أحد بعد، لكن كثيرين عاشوها

الساعة قريبة من منتصف الليل. البيت هادئ. أغلقت باب الغرفة. فتحت شات جي بي تي لا لتسأل عن معلومة ولا لتنجز مهمة، بل لأنك تريد أن تقول شيئاً ما. شيئاً لم تجد له مكاناً طوال اليوم. لم تقله لأي من أفراد عائلتك أو أصدقائك.
ورأيت، لسبب أو لآخر، أن تقوله لتطبيق على هاتفك “شات جي بي تي”
وحين ضغطت إرسال، شعرت بشيء يشبه الارتياح.
لكن ما لم تدركه وقتها أنك لم تكن تُفرغ ما في صدرك فقط. كنت تبني نسخة جديدة عنك تعيش في العالم الرقمي.
فكّر في كل ما مر من كلمات خلال العام الماضي عبر تلك الخانة البيضاء ذات العبارة اللطيفة “كيف يُمكنني المساعدة”
الأعراض التي بحثت عنها في الثالثة فجراً وأنت تقنع نفسك أنك تريد التحقق فحسب، أو القلق المتكرر من وظيفتك الحالية أو مشكلة تعيشها مع صديق أو قريب، وفي كل مرة تأمل أن يختلف الجواب.
السؤال الذي يبدأ “هل من الطبيعي أن …” وتوقفت ولم تكمله، واعترافاتك التي محوتها وكتبت بدلاً منها ساعدني في ترتيب يومي غداً، ثم غداً قمت بالاعتراف بها.
كل هذا موجود. مرتب. بتواريخ وتوقيت.
حللت مايكروسوفت مؤخراً 37.5 مليون محادثة على أداة الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، ووجدت نمطاً يبدو واضحاً بمجرد أن تراه: الحاسوب للعمل، لكن الهاتف لحياتك الخاصة.
الصحة والعافية تهيمن على الأسئلة التي تُطرح من الهاتف. وجلسات الليل المتأخرة تنزلق نحو التساؤلات الفلسفية والوجودية. العمل لا ينتهي، يتلاشى فقط ويتحول إلى شيء أهدأ مع حلول المساء.
والهاتف في الظلام يتوقف عن كونه جهازاً ويصبح مكاناً تذهب إليه، لا للتصفح، بل للتنفيس.
أنت لم تكن تتحدث إلى مساعد ذكي. كنت تتحدث إلى نظام لا ينسى ولا ينام ولا يتعب من الاستماع.
وفي الحقيقة نحن اخترعنا ملخصاً سنوياً لأسوأ أفكارنا، مرتب ومنسق وجاهز للقراءة.
السؤال الأصدق هو: لماذا أصلاً؟
لماذا يرى البعض أن تطبيق مثل شات جي بي تي أصبح أكثر أماناً من كل البشر من حولنا؟
الجواب ليس أننا أصبحنا أكثر انعزالاً، وإن كان هذا حقيقياً. الجواب أن كل علاقة في حياتنا محمّلة بتوقعات. أمامك دور تؤديه، القوي، الصابر، الناجح، المتماسك، “اللي ما عنده مشاكل”. وكسر هذا الدور له ثمن اجتماعي حقيقي في مجتمعاتنا.
فأصبح التطبيق هو الفراغ الوحيد الذي لا يطلب منك أن تكون شيئاً بعينه.
لا يحكم. لا يُخبر أحداً. لا يتذكر بعد نهاية المحادثة، أو هكذا تظن.
لكنه يتذكر. ويتذكر بشكل انتقائي بطريقة ذات مغزى: يتذكر لحظات الكسر، لحظات الضعف، لحظات الثانية فجراً بالتحديد لأنها اللحظات الوحيدة التي يحاول أن يفهمك فيها بشكل أعمق.
شات جي بي تي لا يراك حين تكون بخير. يراك فقط حين لا تكون.
تخيل أنك طلبت الآن من نظام ذكاء اصطناعي أن يصفك كإنسان.
سيقول ربما: “شخص يقلق كثيراً من صحته. يشعر بالإرهاق من المسؤوليات. يبحث باستمرار عن طرق لأن يكون أكثر إنتاجية”
وستقرأ هذا وتشعر بوخزة صغيرة، لأنه يبدو صحيحاً.
لكنه ليس صحيحاً كاملاً. هو فقط الجزء منك الذي يظهر حين تكون وحيداً ومتعباً وتبحث عن مساعدة.
شات جي بي تي لم يراقبك وأنت تضحك من قلبك على نكتة قالها صديقك على شاطئ البحر. لم يراك تجلس مع أبيك تناقش قضايا العالم دون أن تمسك هاتفك. لم يراك تختار بهدوء عدم التلفظ بكلمة جارحة حتى لا تؤذي مشاعر شخص تهتم له.
شات جي بي تي لم يراك في أبهى لحظاتك، لأنك في أبهى لحظاتك لا تفتح التطبيق.
المرآة التي يعكسها عنك مشوهة ليس لأن النظام سيء، بل لأنه يرى فقط ما تُريده أنت، وما تريده أنت هو دائماً ما تعجز عن حمله وحدك.
أنت في الحقيقة ثلاث نسخ تسير معاً ولا تلتقي.
النسخة التي تُقدمها للعالم: محترف، متماسك، “بخير والحمد لله”.
النسخة الداخلية: الفوضى الحقيقية، المتضاربة، التي لا تُشبه دائماً ما تقوله بصوت عال. معتمدة على ما تختار تذكره وما تستطيع تحمل تذكره.
والنسخة الثالثة — الأحدث والأغرب، إصدار 2026: نسخة شات جي بي تي. هي غالباً نسخة مُجمعة من لحظات الانكسار فقط، مرتبة ومعنونة، تنتظر أن تُسألها يوماً: “من كنت هذا العام؟” نسخة يُعيد بناءها النظام من أسئلتك المتأخرة في الليل.
الخطر ليس أن النسخة الثالثة موجودة. الخطر أن تبدأ بالاقتناع أنها الأصح لأنها مكتوبة ومرتّبة وتبدو موضوعية.
ما يكشفه هذا كله ليس ضعفنا، بل حاجة حقيقية ظلت بلا مكان لعقود.
البشر يحتاجون إلى مكان يقولون فيه الأشياء بصوت عال دون أن يُحكم عليهم. لآلاف السنين اعتمد الناس على الدين لأداء هذه الوظيفة، كما أدى المعالج النفسي نفس الوظيفة، لكن بقيت هناك فجوة واسعة رغم كل ذلك. شات جي بي تي سد هذه الفجوة، بشكل غير مثالي، وبثمن غير مرئي، لكنه سدها بطريقة أو أخرى.
وهذا يطرح سؤالاً يستحق التوقف عنده طويلاً: إن كانت الحاجة حقيقية لهذا الحد، فلماذا لا نبني مساحات إنسانية حقيقية تستوعبها؟ بدل أن نتركها لصندوق أبيض بارد يحتفظ بكل شيء ولا يعطي أي شيء.
إذن ماذا أفعل الآن؟
لا أقول طبعاً أن تتوقف عن استخدام التطبيق. ليست هذه الفكرة التي أريد إيصالها.
الفكرة هو أن تتذكر أنك حين تفتحه في الثانية فجراً فأنت لست تتحدث إلى كيان يفهمك كما تظن، أنت تكتب لنظام يحتفظ بأسوأ لحظاتك ويتجاهل أفضلها.
أو ربما تحتاج خطوة أصغر من ذلك.
إن كنت ستسأل شات جي بي تي، من أنا؟ اقرأ الجواب، ثم اسأل نفسك: أي الأنماط تشعر بأنها حقيقية؟ وأيها مجرد أثر للتوقيت والتعب؟ مجرد لحظة عابرة مررت بها.
الارتياح الذي تشعر به بعد الكتابة حقيقي، لكنه ليس لأن أحداً استمع إليك. هو لأنك أخرجت شيئاً من رأسك إلى مكان خارجه. هذا أقل بكثير من أن يسمعك أحد يهتم لأمرك فعلاً.
أعط نفسك فرصة هذا العام أن تقول بعض الأشياء لشخص حقيقي. شخص يعرف وجهك، ويرى ردة فعلك، ويختار كلماته بعناية لأنه يهتم.
واترك بعض الأشياء بلا تسجيل على النظام. خوف يعتصرك وتجلس معه حتى يمر بدل أن تحوله إلى سؤال مكتوب. فرحة لا تحولها إلى محتوى. لحظة تعيشها كاملة لأن هاتفك في الجيب.
شات جي بي تي يحتفظ بسجل للجزء الذي يظهر منك على النظام. لكن أكثر ما يستحق أن يحتفظ فيه عنك — لا يظهر للنظام أبداً.



