الوظائف لن تعود، ولن تبقى حيث هي. قالها قادة صناعة التكنولوجيا بصوت عال أمام ربع مليون شخص، فهل أحد سمع؟
في دلهي، الشهر الماضي، انعقد أكبر مؤتمر للذكاء الاصطناعي في تاريخ الهند. ربع مليون شخص في مركز مؤتمرات واحد، طوابير بلا نهاية، شبكة الإنترنت تتعثر تحت الضغط، والمياه تنفد.
لكن ليست هذه القصة التي أريد أن أخبرك بها.
القصة كانت ما قيل على منصة الحدث.
فينود خوسلا، المستثمر الرأسمالي الأكثر تأثيراً في وادي السيليكون، وقف أمام تلك الجموع وقال بكل هدوء إن خدمات تقنية المعلومات وعمليات الاستعانة بمصادر خارجية ستختفي “بشكل شبه كامل” خلال خمس سنوات. لم يكن يقرأ تحذيراً، بل كان يخبر الحضور بإطار زمني واضح.
ثم قام فينيت نايار، الرئيس التنفيذي السابق لشركة HCL — إحدى أكبر جهات توظيف تقنية المعلومات في العالم — ووقف أمام قاعة مليئة بالناس الذين تعتمد معيشتهم على تلك الوظائف، وقال إن شركات تقنية المعلومات الهندية ستركز على الأرباح، لا على خلق فرص العمل.
لم يكن هذا الكلام في مذكرة مسربة أو اجتماع مغلق، بل قيل على المنصة، وبكل وضوح، لجمهور من الناس المعنيين مباشرة بالأمر والذين قد تتأثر حياتهم كلياً خلال السنوات القادمة.
ليست إشارات تحذير عن مستقبل محتمل، بل القرار اتُخذ.
لكي تفهم لماذا يعنيك هذا في المنطقة العربية، عليك أن تقرأ السياق أولاً.
لعقود، كانت الهند وجهة كبرى للوظائف التقنية المُحوَلة من الغرب. الدعم التقني، تطوير البرمجيات، إدارة البيانات، خدمة العملاء، ملايين الوظائف بُنيت على أساس أن الكفاءة البشرية في بلد ما أرخص من الكفاءة البشرية في بلد آخر.
الآن، قادة تلك الصناعة أنفسهم يقولون إن المعادلة تغيرت. ليس لأن الوظائف ستعود إلى من أخذت منهم من البلدان الغربية. بل لأن هذه الوظائف ذاتها ستختفي. لن تجد لها مكاناً على الخريطة، بل ستكون على خادم في مكان ما في العالم.
يصف داريو أموديي، الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic التي تبني أحد أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي في العالم، أن الذكاء الاصطناعي سيُلغي نصف وظائف المبتدئين في قطاع التقنية خلال خمس سنوات.

هؤلاء جميعهم ليسوا محللين يتكهنون من بعيد، ولا عرافين يريدون جذب انتباه الجمهور بتوقعات خيالية. هؤلاء نخبة قادة صناعة التكنولوجيا في العالم، ويصرحون بوضوح عن الجدول الزمني لانتهاء ملايين الوظائف لأي شخص يريد أن يسمع.
أين يقع العالم العربي من كل هذا؟
المنطقة العربية، كغيرها، تعتمد بشكل كبير على قطاعات بعينها: الخدمات المصرفية، التوثيق القانوني، خدمة العملاء، الإدارة الحكومية، المحاسبة، وكثير من الوظائف التي تقوم في جوهرها على معالجة المعلومات ونقلها. هذه بالتحديد هي الوظائف التي تحدث عنها خوسلا وأموديي وغيرهم.
والأمر لا يتعلق فقط بالوظائف التقنية. يتعلق بكل وظيفة تقوم على تلقي معلومة، ومعالجتها، وإرسالها. ومعظم الوظائف المكتبية في العالم تنطوي على هذه العملية بشكل أو بآخر.
الفارق المهم: الأزمة لن تضرب الجميع بالسرعة ذاتها. المناطق التي تعتمد على عمالة كثيفة في القطاعات التقنية والإدراية (مثل الهند وبعض الدول الآسيوية) ستشعر بها أولاً. لكن الموجة لن تتوقف عند حدود جغرافية، بل ستشمل الجميع.
آخر تحوّل اقتصادي كبير حدث خلف أبواب مغلقة. هذه المرة يحدث أمامنا، وأصحابه يُعلنون مواعيده لمن يريد أن يسمع.
هناك في عالمنا اليوم آباء يخططون لأبنائهم أن يصبحوا محاسبين ومحامين وموظفين حكوميين، وطلاب يحضرون معارض التوظيف التي تبدو تماماً كتلك التي حضرها آباؤهم قبل عقدين.
العالم لن يبدو مختلفاً بشكل حاد بحلول 2028، لكن بحلول 2034، حين يتخرج هؤلاء الطلاب من جامعاتهم؟ كثير من المسارات المهنية التي يخططون لها لن تكون موجودة بالشكل الذي يتخيلونه.
ربما يكون التنبؤ بالاضطراب هو ما يفعله المستثمرون والمديرون التنفيذيون دائماً في المؤتمرات، وربما لا يختلف الحديث عن الذكاء الاصطناعي عن عبارة “التكنولوجيا ستغير كل شيء” السابقة التي كنا نسمعها مع كل إطلاق تقني مميز.
لكن هذه المرة مختلفة فعلاً، فالطريقة التي يقول بها قادة صناعة التقنية في العالم هذه الأشياء تحديداً، لا تبدو إطلاقاً كعروض مبيعات لمنتجاتهم. ويُمكنك أن تشعر بذلك بنفسك.
لا أحد من كبار قادة صناعة التقنية اليوم يبدو قلقاً. جميعهم يتحدثون كمن استوعب الأمر وناقشه وبات يتقبله كمستقبل محسوم.
إذن ماذا يعني هذا عملياً؟
لا يعني الذعر، ولا يعني الاستسلام. يعني أن الوقت الذي تمتلكه الآن هو أثمن ما لديك، وذلك قبل فوات الأوان.
الفرق بين من يستعد اليوم ومن ينتظر ليرى ليس فرق حظ، بل فرق توقيت. والتوقيت في التحولات التقنية الكبرى هو كل شيء.
التحول القادم لن يسأل أحداً عن رأيه. لكنه سيسأل كل شخص سؤالاً واحداً فقط: أين كنت حين كان الوقت لا يزال في يدك؟
الماء سيغلي، والسؤال ليس هل تشعر بالحرارة، بل هل ستنتظر حتى يغلي؟



