في مقالات سابقة كتبت عن الوظائف التي تختفي، وعن قادة صناعة التقنية الذين يقفون على المنابر ويعلنون بهدوء أن ما بنى عليه ملايين البشر حياتهم لن يكون موجوداً قريباً.
كتبت عن ذلك لأنه حقيقي، ولأن تجاهله لا يحمي أحداً.
لكن ثمة قصة أخرى تحدث في الوقت ذاته، في هدوء تام، بعيداً عن العناوين الصاخبة. لا أحد يكتب عنها كثيراً لأن التفاؤل لا يجلب الكثير من النقرات. لكنه حقيقة بنفس القدر.
قصتي تبدأ بسؤال بسيط جداً.
لو توقفت عن القلق بشأن دخلك المالي، ماذا كنت ستفعل؟
أنت على الأرجح تعرف الجواب، أو على الأقل لديك شعور به.
ذلك الشيء الذي تعود إليه في لحظات الهدوء النادرة. المشروع الذي تقول عنه “يوماً ما”. المهارة التي تتمنى لو أتقنتها. الفكرة التي لم تُطاردها لأن الاقتصاد لم يكن يدعمها، أو لأن الوقت لم يكن متاحاً، أو لأن من حولك أقنعوك أن هذا “مجرد هواية” لا مستقبل فيها.
في مجتمعاتنا العربية تحديداً، يحمل هذا الضغط ثقلاً مضاعفاً. الأسرة تريد الاستقرار. الاستقرار يعني الوظيفة الحكومية أو الطب أو الهندسة أو المحاسبة. وفي زمن ما، كانت كلمات مثل الكاتب والمصمم والمبرمج تُقال بنبرة القلق أكثر منها بنرة الفخر.
الشاب الذي يحب النجارة أو يعزف العود أو يشغف بالتصوير يتعلم مبكراً أن يخبئ هذا الجزء من نفسه خلف جدول الامتحانات.
معظم البشر عبر التاريخ لم يملكوا رفاهية السؤال “ما الذي أريد فعله حقاً؟” كان السؤال دائماً “ما الذي يُطعمني؟”. تتاجر بساعاتك مقابل البقاء، وإن كنت محظوظاً فربما تحصل في عطلة نهاية الأسبوع على بضع ساعات تداعب فيها أفكارك وطموحاتك الخفية.
الأغلب قبل بهذه الصفقة، لأنه لم يكن أمامه خيار آخر.
كل جزء من هذه المعادلة بدأ يتفكك. وهذا مخيف ومثير في آنٍ واحد.
الأدوات التي كانت حكراً على الاستوديوهات والشركات الكبرى باتت في متناول يدك. إنتاج موسيقى من وصف نصي. تصميم احترافي بضغطة. كتابة، برمجة، رسوم متحركة، أفلام قصيرة، كل هذا ينهار نحو الصفر بسرعة لا يستطيع أحد تتبعها. وتكلفة تشغيل الذكاء الاصطناعي نفسه تنخفض بمعدل عشرة أضعاف كل عام.
ماذا يعني ذلك عملياً؟ يعني أن الحاجز بين “أريد أن أصنع شيئاً” وبين صنعه فعلاً لم يكن يوماً في التاريخ بهذا الانخفاض.
لعقود، كنا نُعلّم أجيالاً كاملة أن تدرس “ما يحقق لها دخل أفضل”. ارتفعت نسب التخصص في العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات وانخفضت نسب الإنسانيات. وفي السنوات الأخيرة الجميع ركض نحو البرمجة لأنها كانت توفر وظيفة مضمونة. والآن؟ الآلات تتعلم الكود البرمجي بشكل أسرع وأرخص وأدق. جيل كامل من التركيز المحموم على التقنية ربما عجّل بإيصالنا إلى النهاية.
لكن النقطة ليست أن أبناء الإنسانيات انتصروا وأبناء التقنية خسروا. هذا تأطير صغير جداً للصورة الأكبر. النقطة هي أن فكرة “ادرس ما يُدفع له” بدأت تذوب، وما يحل محلها أصعب بكثير أن تُختبر في اختبار ميول مهنية.

ما الذي تريد أن تصنعه فعلاً؟
كتب أحد المفكرين قبل سنوات أن الذكاء الاصطناعي يفتقر إلى ما سماه “القلب الإنساني”، الشغف والألم والحنين. الأشياء التي لا تستطيع مجموعة بيانات التدريب أن تلتقطها حقاً. وهو محق طبعاً. لكنني أعتقد أن الأمر يتجاوز ذلك.
ليس فقط أن البشر بشكل عام يملكون شيئاً لا يملكه الذكاء الاصطناعي.
بل أن كل إنسان بعينه يملك شيئاً لا يملكه أي إنسان آخر. نسخة فريدة وخاصة وعميقة، وكل نسخة يُمكنها أن تجلب شيء ما للعالم.
أمضينا القرن الماضي ندفن ذلك تحت متطلبات اقتصاد تدفع باتجاه أن يكون الجميع متشابهين، وكما يقولون: ترساً في آلة. وها هو الاقتصاد نفسه على وشك أن يتوقف عن الحاجة إلى ذلك.
الميكانيكي الذي يصور ترميم السيارات لأنه يحبه. المحاسب الذي يكتب أخيراً الرواية التي أجلها عشرين عاماً. الممرضة التي تحوّل حديقتها إلى مشروع حقيقي. المهندسة التي تصنع الفخار لأنها تريد ذلك، لا لأن “مدرب الحياة” أخبرها أن تقوم بهذا التحول.
الخطاط الذي ظل يمارس فنه في ساعات الفراغ. المطربة الشعبية التي كانت تغني في الأفراح فقط. المبرمج الذي يحب التاريخ الإسلامي ويريد توثيقه بطريقة لم يفعلها أحد. المعلمة التي لديها طريقة مختلفة تماماً في شرح الرياضيات لو أُتيح لها الوقت لتطويرها.
لا أحد من هؤلاء يحتاج لأن يطلب إذنا من أحد الآن، فالأدوات أصبحت موجودة. ما يتأخر هو الإدراك بأن هذا ليس شيئاً يحدث على الهامش، بل هو الصورة الكاملة لما يمكن أن يبدو عليه مستقبلنا.
ولكن، ويجب أن أقول هذا بصدق
ربما أكون ساذجاً. ربما يضرب التحول في الذكاء الاصطناعي بقوة وسرعة أكبر مما يتحمله أي تفاؤل.
كتبت في مقالاتي الأخيرة عن الوظائف التي تختفي، وعن القرارات التي اتخذت خلف الكواليس، وعن الأجيال التي تُخطط لمستقبل ربما لن يكون موجوداً بالشكل الذي تتصوره. وكنت أعني كل كلمة.
فالخوف مشروع، والغضب مفهوم، والقلق على الأبناء حقيقي.
لكنني أراقب شيئاً يحدث في هدوء، بعيداً عن الضجيج: ناس فقدوا أسبابهم القديمة للاستمرار يتعثرون في أسباب جديدة أفضل منها. وهذا يحدث باستمرار وبأعداد لا يرصدها أحد لأنه لا يناسب رواية الانهيار الكبير القادم التي يتم تسويقها.
الغبار سيهدأ في النهاية، كما هدأ دائماً بعد كل تحول كبير في التاريخ.
ما أعتقد أنه يتشكّل تحت كل هذا، بسرعة أكبر مما يُدرك معظم الناس، هو عدد هائل من البشر كانوا ينتظرون طوال حياتهم فرصة لصنع شيء يعني لهم شيئاً، يحصلون أخيراً على تلك الفرصة.
ثمانية مليارات إنسان، لكل منهم نسخته الفريدة من السؤال: ما الذي جئت لأصنعه؟
يحدث هذا الآن وبهدوء، وبإصرار، وفي كل مكان.
الشيء الذي أجلته، ربما آن أوانه أخيراً.



