تخيّل معي المشهد التالي.
يرن هاتفك، ترفع السماعة وتسمع صوت ابنك، نبرته، طريقة نطقه، حتى تلك الرعشة الصغيرة التي تعرفها حين يكون خائفاً. يصرخ باسمك ويخبرك أنه في ورطة، ويطلب منك أن تحول مبلغاً مالياً الآن.
ثم تصلك رسالة فيديو، يبدو فيها وجه ابنك واضح وعيناه تبكيان ولكن المكان مجهول.
كل شيء حقيقي، إلا أنه ليس حقيقياً على الإطلاق.
في الحقيقة ابنك في طريق عودته من المدرسة أو ربما يلهو مع أحد أصدقائه في مكان ما، وربما نائم في غرفته، والمحتال في مكان ما بعيد، يستخدم مقاطع نشرها طفلك بنفسه على الإنترنت، وهو يعرف أين تتواجد الآن وأين يتواجد طفلك ويستغل هذه المعلومات للحصول على مبالغ مالية منك عن طريق الاحتيال.
هذا السيناريو لم يعد افتراضياً
قبل سنوات قليلة، كانت عمليات الاحتيال عبر الهاتف تعتمد على معلومات بسيطة. إذا لم تختبرها بنفسك في الواقع فعلى الأرجح شاهدتها في أحد الأفلام السينمائية.
كل ما يحتاجه المحتال، اسم الطفل، اسم المدرسة، اسم المعلم، يتصل بأحد أقاربه مثل الأب أو الأم أو الجد أو الجدة، ويدعي أن الطفل في خطر. هذه المحاولات كانت تنجح في بعض الأحيان، ليس لأن الضحايا سذج، بل لأن الحب يجعل الإنسان يختار الخسارة المالية على مجرد احتمال أن يكون الخطر حقيقياً.
هناك الكثير من الحلول لإيقاف الاحتيال بهذه الطريقة، كان أبسطها كلمة السر العائلية، الكلمة التي لا يعرفها إلا أفراد الأسرة وتطلب فوراً حين يتصل أحد مدعياً الخطر. طريقة قديمة الطراز ولكنها فعالة لمواجهة أي خطر غير حقيقي وتجنب الاحتيال.
ثم جاءت تقنية استنساخ الصوت. ثوان معدودة من أي تسجيل صوتي تكفي اليوم لبناء نسخة بدقة تتجاوز تسعين بالمئة من صوت الشخص المستهدف. مقطع قصير على تيك توك، رسالة صوتية على واتساب، كل هذا مادة خام جاهزة للمحتالين.
بداية العام الحالي، أصدر مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي تحذيراً من أن المحتالين باتوا يستخدمون صور مزورة تُظهر ضحايا مقيدين أو في وضع مثير للرعب، وجه طفلك في مكان مظلم لا تعرفه. نصيحتهم: كبر الصورة وابحث عن أخطاء محتملة للتزييف، لكن يبدو أن نصيحتهم أصبحت قديمة.

أطلقت شركة ByteDance، الشركة ذاتها التي تملك تيك توك، نسخة محدثة من أداة إنشاء الفيديو بالذكاء الاصطناعي تسمى Seedance 2.0.
كل ما تحتاجه: وصف نصي وصورة واحدة. النتيجة: فيديو واقعي بجودة سينمائية في دقائق، تعابير وجه، حركة طبيعية، حوار مسموع.
وبعد ساعات من إطلاقها، انتشرت مقاطع مزيفة لمشاهير في مواقف لم تحدث قط، بجودة لا يمكن التمييز فيها من الواقع.
التفكير في الأخطاء لم يعد يجدي حين لا توجد أخطاء، وكلمة السر لا قيمة لها حين ترى وجه طفلك أمامك على الشاشة وهو يصرخ باسمك.
هنا يكمن خطر التزييف العميق الحقيقي الذي لا يُناقَش بما يكفي
النقاش العام عن التزييف العميق Deepfake يدور في معظمه حول المشاهير والسياسيين، أشخاص لديهم محامون وفرق قانونية تحمي صورتهم الرقمية. لكن الطفل البالغ اثني عشر عاماً الذي ينشر مقاطع الرقص على تيك توك ليس لديه محام. والجد الذي لا يستوعب التطورات التقنية المتسارعة ليس لديه فريق تحليل جنائي رقمي ليحدد هل الأمر احتيال أم لا.
كل ما لديهم هو الحب، والخوف، وثوان معدودة يجب أن يتخذوا فيها قراراً.
والأخطر في هذا السياق داخل العالم العربي تحديداً هو ثقافتنا التي تقوم على الحفاظ على الشرف العائلي والسمعة. المحتال الذكي لن يطلب المال فقط، قد يهدد بنشر فيديو مزيف مُسيء لابنتك أو لزوجتك إن لم تدفع. وهذا النوع من الابتزاز يصيب الضحية بشلل تام، لأن الخوف من الفضيحة يتغلب على كل شيء.
المحتال لا يحتاج أن تصدقه تماماً. يحتاج فقط أن تشك، لثوان كافية لتتصرف من الخوف لا من العقل.
ماذا تفعل الآن، قبل أن يحدث؟
كلمة السر العائلية: نعم هذه الحيلة لا تزال تعمل لتجاوز أي عمليات احتيال، ولكن يجب أن تكون بشكل أذكى. اتفق مع أفراد عائلتك على كلمة سر لا تُذكر أبداً في أي منشور أو رسالة إلكترونية أو أي طريقة تواصل رقمية. اجعلها غريبة وغير متوقعة. والأهم: تدرب على استخدامها فعلاً، لأن اللحظة الحقيقية لن تمنحك وقتاً للتفكير.
قاعدة أغلق واتصل: مهما بدا الأمر ملحاً، أغلق الخط فوراً واتصل بالشخص المعني على رقمه الذي تعرفه أنت، لا الرقم الذي اتصل منه. ثواني بسيطة من التحقق قد تنقذك من ورطة.
قلل من المحتوى العام لأطفالك: لا تعني هذه النصيحة منع أطفالك من الإنترنت، فهذا غير واقعي. لكن اجعل حساباتهم خاصة، وقلّل من الفيديوهات التي تظهر فيها وجوههم بوضوح وأصواتهم بجودة عالية. كل ما يُنشر هو مادة خام محتملة للمجرمين.
اشرح هذه التقنية لعائلتك خصوصاً كبار السن: الأشخاص كبار السن هم الهدف الأول لهذه الاحتيالات. اشرح لهم هذه التقنية بأسلوب بسيط. وأخبرهم “إذا سمعت صوتي وأنا أطلب أموالاً، أغلق الهاتف واتصل بي مباشرة.
لا تدفع ولا تستجب تحت الضغط أبداً: كل عملية احتيال تعتمد على الإلحاح. “الآن أو سأفعل كدا”، “لا تتصل بأحد”، “سيحدث شيء سيء لو تأخرت”، هذا النوع من الضغط هو نفسه في كل مرة، لأنه يعطل التفكير النقدي ويُشغل الذعر.
التقنية تتطور أسرع من قوانين الحماية ومن وعينا جميعاً. من مكالمة هاتفية بمعلومات مسروقة، إلى صوت مستنسخ، إلى صورة مزوّرة، إلى فيديو لا يمكن تمييزه، كل هذا حدث في أقل من ثلاث سنوات.
لا أحد يعرف كيف ستبدو الأداة القادمة. لكن المبدأ لن يتغير: هجوم على أكثر شيء هش فينا، حبنا لمن نهتم بهم، وخوفنا عليهم.
الحماية الوحيدة التي لا تستطيع التقنية كسرها هي عقلك حين تقرر أن تتوقف ثلاثين ثانية قبل أن تتصرف.



