أخيراً: أصبح الذعر من الذكاء الاصطناعي شيئاً يتداوله الجميع على واتس اب

كنت تحاول أن تشرح لأصدقائك وعائلتك ما هو قادم خلال أشهر، وأخيراً استمع الجميع

خلال الآونة الأخيرة ربما وصلتك رسالة من أحد معارفك عبر واتس اب، تتضمن مقطع فيديو أو مقال أو منشور على أحد الشبكات الاجتماعية يحذر من موجة الذكاء الاصطناعي التي ستغير مستقبل البشرية.

وعلى الأرجح من أرسل لك هذه الرسالة لم يعلق عليها أو كتب فقط اقرأ أو شاهد هذا.

هذا الشيء أصبح ملموساً خلال الأشهر القليلة الماضية عبر الشبكات الاجتماعية، ففجأة الكل أصبح مهتماً ومذعوراً؟ ماذا سيحدث وإلى أين نحن ذاهبون.

ربما يعيد هذا الأمر إلى أذهاننا بعض التصريحات الصادمة من قادة شركات التكنولوجيا في العالم والتي تظهر من حين لآخر، أو بعض المنشورات الرائجة على الشبكات الاجتماعية مثل مقال “شيء كبير يحدث” الذي كتبه الخبير في الذكاء الاصطناعي Matt Shumer وتم تدواله على نطاق واسع عبر وسائل الإعلام الدولية متجاوزاً 70 مليون مشاهدة خلال أيام قليلة.

طرح “مات” خلال مقاله فكرة واحدة بنبرة إلحاح حقيقية: الذكاء الاصطناعي على وشك إعادة تشكيل سوق العمل بطريقة لم يبدأ معظم الناس بالتفكير فيها بعد. واستشهد بتصريحات علنية لمديري أكبر شركات الذكاء الاصطناعي في العالم.

والناس على الإنترنت تفعل ما تفعله دائماً، تجادل حول من هو محق ومن هو مبالغ.

لكن هذا ليس الموضوع الذي أود التحدث فيه. فكتبت في مقالات سابقة عن الوظائف التي ستختفي وعن الإمكانات التي يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يفتحها للجميع.

اقرأ أيضاً: نصف الوظائف المكتبية ستختفي، والمدراء يعرفون ولا يخبرونك

الفكرة هنا هو أن ملايين الأشخاص من عشاق التقنية وجدوا أخيراً محتوى يمكنهم إرساله لمن يحبونهم دون أن يبدوا وكأنهم يتحدثون عن نظريات مؤامرة.

تخيل معي هذا المشهد الذي يتكرر في بيوت كثيرة.

شاب يعمل في مجال التقنية أو يتابع هذا المجال عن كثب. يحاول منذ أشهر أن يشرح لعائلته ما يراه قادماً بعد ثورة الذكاء الاصطناعي. في غداء يوم الجمعة، والعائلة مجتمعة يحاول مرة أخرى، ويقول جملته المعتادة “الذكاء الاصطناعي سيغير العالم”

أبوه يرفع حاجبيه ويعود إلى طبق الطعام بين يديه، أمه تسأله إن كان يريد المزيد من الأرز، بينما أخته الأكبر تقول “إن شاء الله خير” بالنبرة التي تعني “خلص الموضوع”. وأخوه يسأله عن موعد مباراة ارسنال القادمة في الدوري الإنجليزي.

وكالعادة يجلس هو مع شعور غريب، ليس الغضب، بل شيء أقرب إلى الوحدة. يرى شيئاً قادماً ولا يستطيع أن يجعل من حوله أن يروا ما يراه.

في الماضي ما كان يقوله يجعله مهووساً، بينما الآن بعد أن شاركه الملايين على الشبكات الاجتماعية يصبح فجأة حقيقياً.

حقيقة، فهذه ظاهرة إنسانية قديمة جداً، لا علاقة لها بالتقنية.

الآباء الذين يحاولون تحذير أبنائهم من أخطاء مروا بها، ويُقابَلون بالتجاهل. الأبناء الذين يحاولون شرح قلقهم من التغير المناخي لأهاليهم، لا يجدون آذاناً صاغية. كل من رأى شيئاً قادماً وحاول تحذير من حوله يعرف هذا الشعور بالضبط.

تبدأ تشك في نفسك. ربما أنا أعيش في وهم، ربما أقضي وقتاً طويلاً جداً على الإنترنت، ربما أبالغ.

ثم يأتي شخص آخر، إيلون ماسك، أو رئيس الولايات المتحدة، أو خبير ذائع الصيت ويقول ما تقوله منذ أشهر ويتم مشاركته على نطاق واسع، فجأة تشعر بالتبرئة وبالإحباط في آنٍ واحد. لم تكن المشكلة في الرسالة، بل كانت في الرسول.

المهندس الذي يعمل في شركة تقنية ويرى كيف تتسارع الأتمتة من الداخل. الطالب الذي يقرأ ما يكتبه قادة هذا المجال ويفهم أن التخصص الذي اختاره قد يتغير بشكل جذري قبل تخرجه. المدير الذي يراقب كيف تتقلص فرق العمل كل ربع سنة ويتساءل متى تصل النوبة إليه.

هؤلاء يحملون هذا القلق وحدهم في الغالب. لأن الحديث عنه في المجالس يُصنفك إما متشائماً أو “مهووساً بالتكنولوجيا”. والمجتمع العربي يميل إلى تفضيل “إن شاء الله يصير خير” على مواجهة قلق لا إجابة واضحة له.

لكن أخيراً بدأ الناس يسألون.

أعرف أنت لم تكن تحاول إخافة أحد. كنت تحاول الوصول إليهم. وكنت تحاول منذ فترة.

ثمة مفارقة ساخرة في كل هذا لا يمكن تجاهلها.

بعض من ينتقدوا الأفكار عن مخاطر الذكاء الاصطناعي، يقولون أن هذا المحتوى تم إنشائه بمساعدة الذكاء الاصطناعي نفسه، وهذا بحد ذاته يطرح السؤال: إذا كان “كلام فارغ مولد بالذكاء الاصطناعي” أثار اهتمام ملايين الأشخاص في العالم خلال دقائق “وربما أقنع الكثير منهم”، أليس هذا دليلاً إضافياً على أننا نعيش فعلاً في لحظة غير عادية؟

إن كنت من يرسل للأصدقاء وأفراد العائلة على واتس اب مقالات وفيديوهات عن الذكاء الاصطناعي، فأنت لا تحاول إخافة أحد. أنت تحاول الوصول إليهم، لتنبيههم من التطورات الكبرى القادمة.

وإن كنت من يستقبل هذه الروابط، فالشخص الذي أرسله لك لم يكن يريد أن يُفسد عليك يومك. كان يريد فقط أن يجد من يتحدث معه عن كل هذا.

لأنه إن كان ما يقولونه صحيحاً، فهذه المحادثة تستحق أن تبدأ داخل بيتك قبل أن تبدأها مع أي شخص آخر.

مهند داود
الكاتبمهند داود
مدير تحرير موقع أبو عمر التقني