المهنة التي ستسمع عنها في 2030 – وملايين يحتاجونها الآن

كل موجة تقنية كبرى تُنتج طبقة من الناس يمسكون بالأداة الجديدة ويبيعونها. فعل ذلك مصمم الويب في التسعينيات. وأنت ربما التالي.

تعمل ريم الآن في مجال المخبوزات، وقبل عام فقط كانت تعمل محررة لغوية لدور النشر الأكاديمي في القاهرة. رأت الذكاء الاصطناعي قادماً فاتخذت قرارها، واستقالت قبل فوات الأوان. ربما تكون ريم سعيدة الآن، لكنها ليست ممتنة إطلاقاً للذكاء الاصطناعي.

وعلى الجانب الآخر من العالم، كانت سارة تعمل في التسويق بالمحتوى في دبي، حتى بدأ العملاء يخبرونها بفخر كيف أنهم لم يعودوا بحاجة إلى كتاب بعد الآن، وأصبحوا يسلمونها مقالات مولدة من الذكاء الاصطناعي لتتحقق منها وتصلح أخطاءها. العمل الذي كان يأخذ ساعتين مع الكتاب المحترفين بات يأخذ أربع ساعات، بنصف الأجر، لأن 60% مما أنتجه الذكاء الاصطناعي خاطئ أو مضلل.

قررت سارة مباشرة أن تدرس علم النفس الإرشادي.

الخوف من القادم منطقي، والقرارات مفهومة، والموجة أتت وريم وسارة اختارتا أن تبتعدا عن الشاطئ.

في عام 1996، لم يستيقظ أحد في الثامنة عشرة من عمره ويقرر أن يصبح مصمم مواقع إلكترونية. لم يكن المسمى الوظيفي هذا موجوداً حينها. ثم أدرك كل صاحب نشاط تجاري في العالم أنه يحتاج إلى موقع إلكتروني، دون أن يعرف كيف يبنيه. فظهر جيل كامل من الناس، معظمهم تعلمه ذاتياً ولديهم خلفية معرفية من تخصصات مختلفة تماماً، تعلموا HTML وبدأوا يطرقون الأبواب.

خمسة آلاف دولار مقابل موقع بسيط يحمل صورة واجهة المحل ورقم الهاتف. صاحب العمل لم يكن يحتاج إلى أن يفهم التقنية. كان يحتاج فقط إلى شخص يفهمها عنه. واستمر هذا لعقدين كاملين، قبل أن تجعل منصات إنشاء المواقع الإلكترونية الأمر سهلاً لدرجة أن يبنيه ابن أختك في عطلة نهاية الأسبوع.

هذا ما يحدث اليوم مع الذكاء الاصطناعي

كل شركة اليوم تحتاج إلى الذكاء الاصطناعي بنفس الطريقة الغامضة المذعورة التي كانت فيها كل شركة تحتاج موقعاً إلكترونياً في 1997. قرأوا العناوين. شعروا بالتهديد.

لكن لا أحد منهم يعرف فعلياً ما هو روبوت المحادثة أو ماذا سيفعل لهم تحديداً. البيانات تؤكد ذلك: تأسيس الشركات يرتفع بأرقام قياسية في كل مكان. الناس يتحركون فعلاً، وكثيرون آخرون على وشك الحركة.

ترك رشيد وظيفته في إحدى كبريات شركات التقنية وأسس شركة تساعد المشاريع التجارية على أتمتة المكالمات الهاتفية بالذكاء الاصطناعي.

عيادة الأسنان التي تستقبل أربعين مكالمة يومياً عن مواعيد التأمين وأوقات العمل. المقاول الذي يفوته العملاء بينما هو على سطح البناء. رشيد يبني ما يجيب عن تلك المكالمات. ما يفعله هو كتابة كود وهو وحيد في غرفته يتناول رقائق البطاطس، وعلى الأغلب فهو ينفذ أعمال لأشخاص لن يقابلهم أبداً.

رشيد يشبه تماماً مصمم الويب من عام 1997 لكنه في الحقيقة نسخة معاد تغليفها لعام 2026، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الفجوة المعرفية التي يبيعها تنمو بوتيرة تفوق كل ما شهده الجيل السابق.

لكن لا تجعل هذا يوهمك بأن الأمر انتعاشة ذهبية للجميع.

حين بنت نادية وكالتها لأتمتة الأعمال بالذكاء الاصطناعي وكتبت عن تجربتها بصدق نادر لمن يبيع خدمة ما، قالت ما لا يقوله المتحمسون عادة: نصف العملاء المحتملين ميزانياتهم أقل من ألفي دولار.

عرض “سأضع روبوت محادثة على موقعك” بات مكرراً وسخيفاً. الكثير من مشاريع الذكاء الاصطناعي في الشركات الكبرى تفشل لأن أصحابها يريدون نتائج موثقة، لا اختبارات تجريبية.

“تجميع الأدوات في منصات بدون كود أمر سهل، الصعب هو أن تعرف أي الأدوات تجمع لهذا العمل بعينه.

ليست الصعوبة في الوصول لمن يعرف كيف يثبت الأداة على موقعك، بل من يفهم ماذا يحدث في مطعمك كل ثلاثاء ظهراً وأين تكمن النقاط المحورية التي تساعدك على فهم كيفية تعزيز نشاطك التجاري، هذا الشخص لا يزال نادراً وما زال يستحق أن تدفع له.

لا يزال في العالم حولنا صاحب المخبز الذي يستقبل طلبات التوصيل عبر واتساب الشخصي، ويرد عليها بنفسه بين عجن العجين وإخراج الأفران، وينسى نصفها. لا يزال هناك المطعم الشعبي الذي “قائمة طعامه” ورقة مكتوبة بخط اليد مثبتة على الجدار. لا يزال هناك صاحب محل العطارة أو البهارات الذي يعرف أسعاره عن ظهر قلب ولا يوجد لديه أي نظام كاشير، والفاتورة حساب ذهني يجريه بصوت عال أمامك.

لا أحد من هؤلاء يجهل أن الذكاء الاصطناعي موجود. يسمعون عنه كل يوم، في تقارير تتأرجح بين الإدهاش والرعب ولا تصل أبداً لشيء يمكنهم استخدامه فعلاً. ما يفتقدونه ليس الأداة. ما يفتقدونه إنسان يفهم مشكلتهم تحديداً ويستطيع أن يترجم التقنية إلى شيء يحل تلك المشكلة.

هذه الفجوة بين الأداة والإنسان الذي يحتاجها، هي وظيفة. وظيفة لا تقدر بثمن، وربما تكون الآن الفرصة الأكبر في تاريخ التقنية.

على مدار القرون كانت دائماً وظيفة. أشغلها سابقاً مصممو الويب، والكهربائيون الذين شغله المصانع الأولى. وهي اليوم، الآن، شاغرة، وتنتظر من قد يكون يقرأ الآن مقالات عن كيف يهرب من اقتصاد بات يشعر أنه لم يعد يحتاجه.

ريم وسارة لم تُخطئا. حساباتهما صحيحة وقراراتهما مشروعة. ليس كل شخص يملك مزاج من يتصل بعيادة طبيب أسنان ويعرض عليه أتمتة الاستقبال. بعض الناس يريدون فعلاً الخروج من الاقتصاد الرقمي. خبز الخبز باليدين جواب حقيقي وجاد على السؤال الذي يطرحه هذا الاقتصاد.

لكن بين الهروب من الأداة وبناء الشركة الكبرى القادمة، ثمة خطوة أهدأ بكثير ولا تصنع عناوين الأخبار. شخص ما الآن، في هذه اللحظة، يتعلم ما يحتاجه صاحب المخبز ويكتشف كيف يوفره له. لا عرض استثماري. لا جولة تمويل. فقط إنسان يفهم الأداة وإنسان آخر يحتاجها.

هذه الوظيفة لا تجد اسمها إلا بعد خمس سنوات من أن يكون الجميع قد شغلها.

لا شهادة لها ولا مسمى، لكنها أكثر وظيفة مطلوبة في العالم.

السؤال: هل ستكون ممن شغلوها، أم ممن قرأوا عنها لاحقاً؟

مهند داود
الكاتبمهند داود
مدير تحرير موقع أبو عمر التقني