في أحد مختبرات شنغهاي كُشف النقاب عن واحد من أكثر الروبوتات الشبيهة بالبشر واقعية حتى الآن. مشهد يثير مزيجاً غريباً من الدهشة والقلق الصامت في آن واحد، وكأنك تقف أمام شيء مألوف وغريب في الوقت نفسه.
يبلغ طوله نحو 1.65 متر، ويزن قرابة 32 كيلوغراماً. وعندما تصافحه تشعر بأن بشرته دافئة، بدرجة حرارة تتراوح بين 32 و36 درجة مئوية، تماماً كحرارة جسد إنسان حي.
خلف عينيه تقبع كاميرات تراقب أدق حركاتك يبتسم. يميل رأسه قليلاً. ثم يعيد إنتاج تلك التعبيرات الدقيقة التي تلتقطها أدمغتنا دون أن نشعر بها بوعي.
اسمها Moya. وقد انتشر أول مقطع مصور لها كالنار في الهشيم على وسائل التواصل الصينية، قبل أن يشق طريقه سريعاً إلى اهتمام عالمي واسع.
مع إطلاق Moya، حدث شيء ما، تغيير خفي لكنه عميق، في عالم الروبوتات البشرية. تغيير لم يدرك كثيرون بعد حجمه الحقيقي.
الروبوت البشري المصمم ليجعلك تشعر بوجود شخص حقيقي
شركة DroidUp الناشئة، التي تقف خلف تطوير Moya، تصفها بأنها أول روبوت بشري biomimetic بالكامل، أي أنه لا يقلد شكل الإنسان فقط، بل يحاكي خصائصه الحيوية.
وبمجرد مشاهدة المقطع المصور، يصبح واضحاً لماذا يشعر البعض بالانبهار، بينما يصفها آخرون بعبارات مثل: “شبح حي”.
سوق الروبوتات البشرية عالمياً تجاوز بالفعل 4.8 مليار دولار، وينمو بمعدل يزيد عن 50% سنوياً. لكن التحول الحقيقي لا يُقاس بالأرباح وحدها. بل يُرى في الاتجاه الذي تسلكه هذه الآلات.
لم نعد نتحدث عن روبوتات صُممت لرفع الصناديق أو العمل في خطوط الإنتاج. نحن نتحدث عن روبوتات صممت لتجعلك تشعر أن هناك إنساناً يقف على الجانب الآخر من الحوار.
وMoya هي المثال الأكثر إثارة حتى الآن… لكنها ليست الوحيدة.
فلسفة تصميم تقلب قواعد الروبوتات البشرية
كُشف عن Moya في Zhangjiang Robotics Valley في شنغهاي، في عرض تابعته وسائل إعلام عالمية. والفلسفة التصميمية خلفها تقف على النقيض تماماً من كل ما اعتدناه في الروبوتات البشرية.

معظم الروبوتات تتبنى مظهرها الميكانيكي بوضوح: هياكل صلبة، مفاصل مكشوفة، وتصميم يخبرك فوراً: “أنا آلة.”
أما Moya فتسلك الطريق المعاكس تماماً.
نسب جسدها مطابقة تقريباً لجسد إنسان بالغ. طبقة من السيليكون تغطي هيكلاً مرناً صُمم لمحاكاة الأنسجة العضلية، بما في ذلك تجويف صدري كامل. وتحت هذا السطح يعمل نظام thermoregulation للحفاظ على حرارة جسم ثابتة.
يقول مؤسس الشركة Lee King ببساطة:
“الروبوت الذي يخدم حياة البشر يجب أن يكون دافئاً، يجب أن يملك حرارة، يجب أن يبدو تقريباً ككائن حي يمكنك أن تتواصل معه.”
هذه ليست مجرد لغة تسويقية. بل علم أعصاب.
الحرارة إشارة يعالجها الدماغ دون وعي. عندما تلمس معدنًا بارداً، يسجّل جهازك العصبي فوراً: “جسم غير حي.”
لكن عندما تلمس شيئاً دافئاً ومرناً… تبدأ الحدود في التلاشي.
عندما يبدأ الدماغ بالتعامل مع الروبوت كإنسان
الكاميرات خلف عيني Moya تحافظ على التواصل البصري وتطلق تعبيرات دقيقة حول العينين والفم، تلك الحركات الصغيرة التي يفسرها دماغنا فوراً كعلامات اهتمام أو مشاعر.
وتقول الشركة إن دقة مشيتها تصل إلى 92% مقارنة بالمشي البشري.
ليس مجرد روبوت “لا يسقط”. بل روبوت يصل إلى النقطة التي يتوقف عندها الدماغ عن تحليل الحركة ميكانيكياً، ويبدأ بالاستجابة اجتماعياً كما لو أنه يتعامل مع إنسان.
ومن الجدير بالذكر أن هيكل Walker 2 الذي طورته الشركة حلّ ثالثاً في أول نصف ماراثون عالمي للروبوتات البشرية في بكين عام 2025.
أما النسخة الأحدث Walker 3، المستخدمة في Moya، فهي أكثر إحكاماً وصُممت لتلائم جسداً بشرياً واقعياً.
والتصميم Modular بالكامل: الوجه، تصفيفة الشعر، شكل الجسد، وحتى المظهر الجندري، كلها عناصر يمكن تغييرها دون المساس بالآلية الداخلية.
الأسواق المستهدفة تشمل:
- المستشفيات
- المدارس
- البنوك
- المتاحف
- مراكز النقل
السعر المتوقع: حوالي 173 ألف دولار
والإطلاق التجاري مرجح في أواخر 2026.
سباق تقليد الوجه البشري

بينما تركز DroidUp على الجسم الكامل، تعمل مختبرات أخرى على أصعب جزء في الإنسان: الوجه.
شركة Ahead Form Technology في شنغهاي طورت نموذجاً يسمى Origin M1، رأساً بشرياً مزوداً بـ 25 محركاً دقيقاً للتحكم في أدق تعبيرات الوجه.
- حركة الجفون.
- انقباض الحاجبين.
- الابتسامات غير المتناظرة.
- حركة الفك.
كما تتبع الكاميرات المزروعة داخل الحدقة الشخص الواقف أمامها. والنتيجة، بحسب من شاهدها، واقعية إلى درجة مقلقة.
لكن المفاجأة التالية جاءت من جامعة كولومبيا في يناير 2026.
فريق بحثي نشر في مجلة Science Robotics روبوتاً بوجه سيليكوني يحتوي على 26 محركاً دقيقاً.
المثير؟ الروبوت علّم نفسه مزامنة حركة الشفاه مع الكلام.
كيف؟
أولاً وقف أمام مرآة، وبدأ بتفعيل محركات وجهه عشوائياً ليتعلم ما يمكن لوجهه أن يفعله.
ثم شاهد ساعات طويلة من مقاطع فيديو لأشخاص يتحدثون ليربط بين الأصوات وحركات الفم.
والنتيجة: مزامنة شفاه دقيقة عبر 11 لغة مختلفة، حتى لغات لم تكن ضمن بيانات تدريبه.
وحين نعلم أن نحو نصف انتباهنا البصري أثناء الحديث يتركز على فم المتحدث، يمكننا تخيل حجم هذا التقدم.
عندما يفشل العرض أمام الجمهور

ليس كل شيء يسير بسلاسة.
في أواخر يناير عرضت شركة السيارات الصينية Xpeng روبوتها البشري Iron في مركز تجاري بمدينة شينزن.
طوله 1.78 متر ويزن 70 كيلوغراماً، ويحتوي على:
- 62 مفصلاً
- يدين بـ 22 درجة حرية
- عمود فقري يحاكي البيولوجيا
- ثلاثة شرائح AI قادرة على تنفيذ 2.25 تريليون عملية في الثانية
بدأ العرض بشكل رائع.
دخل الروبوت بين الحشود بخطوات واثقة تشبه مشية عارض أزياء.
ثم توقف.
ثانية واحدة…
اختل توازنه…
وسقط إلى الخلف.
احتاج ثلاثة أشخاص لرفعه، وسط ضحكات مكتومة من الجمهور.
الرئيس التنفيذي شبّه السقوط بطفل يتعلم المشي.
وفي اليوم التالي، لم يعد Iron يمشي وحده — بل كان مثبتاً بإطار دعم.
مبهر في الحركة.
هش في التفاصيل.
وهذه تحديداً حالة الروبوتات البشرية في عام 2026.
الفئة الأكثر هدوءاً… وربما الأكثر دلالة
بعيداً عن العناوين الصاخبة، يظهر اتجاه آخر أكثر هدوءاً، لكنه قد يكون الأكثر كشفاً لمسار هذا القطاع.
شركة Robonova أطلقت روبوتاً يدعى Eva عبر منصة Kickstarter.
- 200 وحدة فقط
- السعر بين 6000 و7000 دولار
المثير أن Eva لا تمشي. ولا تنظف المنزل. وظيفتها الوحيدة: أن تكون حاضرة.
وجهها البيوني صممه فنان مؤثرات خاصة سابق في أفلام Marvel.
والذكاء الاصطناعي يعمل بالكامل على الجهاز نفسه:
- لا سحابة
- لا خوادم خارجية
- كل المعالجة تتم داخل الروبوت.
Eva لا تعد بالقوة أو الإنتاجية.
بل تعد بشيء أقرب إلى الرفقة.
صناعة تتجه إلى رقم هائل
خلال فترة قصيرة فقط، ظهر في السوق:
- روبوت بجلد دافئ
- رأس بشري بعيون مزودة بكاميرات
- روبوت تعلم مزامنة الشفاه عبر المرآة
- روبوت بوزن 70 كغ سقط أمام الجمهور
- رفيق عاطفي يُباع عبر Kickstarter
ويتوقع أن يبلغ حجم السوق:
- 6.24 مليار دولار في 2026
- ويصل إلى 165 مليار دولار بحلول 2034
شركة Unitree شحنت أكثر من 5500 روبوت بشري في 2025.
شركة Figure تبني مصنعاً لإنتاج 12000 روبوت سنوياً.
شركة Tesla أطلقت Optimus Gen 3.
وشركة UX Technology تطرح روبوتاتها المنزلية بسعر 20 ألف يورو.
السؤال الذي سيصبح حتمياً قريباً
المنافسة في هذه الصناعة لم تعد حول القوة أو المهارة الحركية.
بل حول الواقعية الاجتماعية.
في اليوم الذي ينظر فيه روبوت في عينيك…
ويبتسم في اللحظة المناسبة…
وتشعر بحرارة يده عندما تمسكها…
في ذلك اليوم، لن يكون السؤال:
ماذا تستطيع التكنولوجيا أن تفعل؟
بل سؤالاً أعمق بكثير:
كيف سنتقاسم المساحة مع آلات تقلد أكثر ما فينا حميمية؟
ليس ذكاءنا.
ولا إنتاجيتنا.
بل حضورنا الإنساني نفسه.



