ما هي تقنية تتبع الاتصال وكيف تساهم في مكافحة الأوبئة ؟

تتبع الاتصال

نوضح بشكل مبسط تقنية تتبع الاتصال وكيفية مساهمتها في مكافحة الأوبئة؟

تعتبر عملية تحديد الأشخاص الذي يحتمل أنهم تفاعلوا مؤخرًا مع شخص مصاب بمرض ما من أفضل الوسائل التي يمتلكها خبراء الصحة العامة أثناء تفشي الأمراض المعدية.

تساعد هذه التقنية، التي تسمى تتبع الاتصال، في السيطرة على تفشي أمراض كثيرة مثل مرض فيروس كورونا (COVID-19).

ببساطة، إذ تمكن الأطباء من معرفة جهات اتصال الشخص الذي كانت نتيجة تحليل فيروس كورونا لديه إيجابية، يمكن التنبؤ بمن سيصاب بالمرض أيضًا وعزل هؤلاء الأشخاص بشكل استباقي لمنع انتشار العدوى.

هذه التقنية تُعد دعمًا حقيقيًا في الظروف التي نعيشها اليوم، ويمكن للهواتف الذكية أن تجعلها أكثر فعالية أيضًا، وهو ما يهدف إليه مشروع تعاون جوجل وآبل لإنشاء نظام تتبع اتصال رقمي مُدمج في هواتف آيفون وأندرويد.

فيما يلي نتعرف بشكل مُفصل على آلية عمل تقنية تتبع الاتصال وكيف يمكن أن تساعد على منع انتشار الأوبئة.

كيف تعمل تقنية تتبع الاتصال


استخُدمت تقنية تتبع الاتصال بشكل أو بآخر من قبل الصحة العامة منذُ عقود ماضية للتحكم في الأمراض المعدية المنتشرة.

بشكل أكثر تحديدًا، يتم استخدام هذه التقنية عند ظهور مرض يسبب مخاطر صحية كبيرة ودرجة عالية من العدوى.

على سبيل المثال، تم استخدام «تتبع الاتصال» للعديد من الأمراض الفتاكة، مثل فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)، وفيروس سارس، والسل، والإيبولا، والحصبة، والجدري ، وغيرها الكثير.

فكرة التقنية بسيطة نسبيًا لكنها فعالة بدرجة كبيرة. فإذا تم تشخيص شخص ما بأحد الأمراض المعدية، فإن مُقدم الرعاية الصحية الأولية الخاص به يرسل تقريرًا للصحة العامة، ثم يقوم أخصائي الحالة (المسؤول عن تتبع الاتصال) بإجراء مقابلة شخصية مع المريض لمعرفة تحركاته والأشخاص الذين تواصل معهم خلال الأسابيع الماضية.

بمجرد تحديد هؤلاء الأشخاص (حالات العدوى المحتملة) يتواصل معهم أخصائي الحالة لإعلامهم بإجراءات الوقاية وضرورة بقاءهم في المنزل.

تتبع مخالطي المرضى في ظل جائحة كورونا

تتبع الاتصال

خلال جائحة كورونا الحالية، سيتصل أحد العاملين بالصحة العامة بالشخص الذي ثبتت إصابته بـ COVID-19 عن بعُد عبر الهاتف للتعرف على جميع الأشخاص الذين كان على اتصال معهم.

يقوم بعد ذلك الشخص المسؤول عن تتبع الاتصال – من الصحة العامة – باستدعاء كل فرد لإبلاغه بأنه كان على اتصال بشخص مصاب بعدوى كورونا، وكذلك يُخبره بكافة الإجراءات التي يجب اتباعها، بشكل عام، الحجر الذاتي لمدة 14 يومًا ومراقبة الأعراض المحتمل ظهورها على مدار هذه الفترة.

أخيرًا، يتم إجراء مكالمات متابعة لجميع جهات الاتصال لمراقبة الأعراض والخضوع إلى اختبار فوري إذا ظهرت علامات الإصابة.

إذا جرت الأمور على هذا النحو، ستتمكن السلطات الصحية في البلاد من بناء شبكة من حالات العدوى المحتملة بشكل سريع، وهو ما سيؤدي لإنقاذ مئات الأرواح والسيطرة على الوباء بشكل أفضل.

ولعل السؤال الذي يتبادر إلى ذهنك الآن: من هم هؤلاء الذين يقومون بتتبع الاتصال ؟ وفقًا لـ “جيري ويلمنك” مدير الأعمال في شركة CarePredict فإنه يمكن تدريب أي شخص على أن يكون مسؤول عن تتبع الاتصال بشكله القائم في المستشفيات في الوقت الحالي.

هناك نداءات من السلطات الصحية لمئات الآلاف من متتبعي الاتصال للسيطرة على فيروس COVID-19. ولكن هذه لا تعتبر مهنة بحد ذاتها. بل المهارات التحليلية الأساسية والتعاطف والقدرة على توضيح كيفية انتقال العدوى بشكل مفهوم ومبسط هو كل ما ترتكز عليه هذه الوظيفة، بينما شهادة الثانوية العامة أو ما يعادلها هو كل ما تحتاجه.

من السهل أن ترى كيف أنّ تقنية تتبع الاتصال تشكل جزءاً في غاية الاهمية من الجهود المبذولة للحد من انتشار الفيروس. فإذا تمكنا من تحديد مسار المرض، لدينا فرصة أفضل لعزل أولئك الذين قد يصابون بالعدوى ووقف انتشاره. إنها طريقة أكثر نظامية من الإيواء في المنزل وتعُد سلاحاً مهماً لإبطاء المرض دون عزل جميع السكان.

وعندما يستأنف الاقتصاد وتعود الحياة إلى وضعها الطبيعي، أشار بعض القادة إلى أن تتبع جهات الاتصال سيكون جزءًا لا يتجزأ من العملية.

مشاكل تتبع الاتصال بالطريقة العادية

لسوء الحظ، فإن أسلوب تتبع الاتصال الحالي غير دقيق وبعيد عن الفعالية الكاملة وليست الوسيلة الأكفأ مع الأمراض المعدية.

بعد كل شيء، فهي عملية يدوية تعتمد على ذاكرة المريض، وكما تعلمون فإن الذاكرة البشرية معرضة للخطأ وليس هناك ما يضمن أن يكون الشخص المصاب قادرًا على استحضار تحركاته وتفاعلاته.

هذا لا يشمل حتى الاتصال العرضي مع الغرباء، والذي سيكون من المستحيل على الذاكرة فهرسته بالكامل.

كما أن توظيف مسؤولون عن تتبع الاتصال في المستشفيات يشكل مصدر قلق بالغ. فمع ارتفاع عدد المرضى، لا يوجد ما يكفي من الباحثين لتتبع جهات الاتصال بدقة.

هذا هو السبب في أن معظم المدن في الولايات المتحدة الأمريكية كانت قد تخلت عن تقنية تتبع الاتصال في وقت مبكر من انتشار العدوى.

لكن مع بدء عدد الحالات في الانخفاض، سيصبح تتبع الاتصال اليدوي قابلاً للتطبيق مرة أخرى. سيكون جزءًا مهمًا من الجهود المبذولة لتسهيل أوامر البقاء في المنزل بعناية.

الحل هو: تتبع الاتصال الرقمي

تتبع الاتصال

في ظل تطورات التكنولوجيا الحديثة، بات ممكنًا إيجاد حلًا بديلًا لأسلوب تتبع الاتصال الحالي الذي يعتمد على الذاكرة البشرية كما كان قبل نحو مئة عام.

فبما أن الجميع الآن يمتلك هاتفًا ذكيًا، لماذا لا نستخدمها لتتبع جهات الاتصال رقميًا؟ أي بدلاً من تحري ذاكرة المريض القابلة للخطأ، يمكن الاعتماد على ذاكرة الهاتف الأكثر موثوقية بطبيعة الحال.

هذا التطور ليس ببعيد. في الواقع، طبُقت بالفعل طريقة تتبع الاتصال الرقمي على ملايين المستخدمين في شرق آسيا حيث تفشى الفيروس قبل وصوله للولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، وقد ثبت نجاحها.

كما أعلنت آبل وجوجل في 10 أبريل عن خطط لدمج تقنية تتبع الاتصال في هواتفهم الذكية عبر البلوتوث. ولكن نظرًا لمخاوف تتعلق بالخصوصية، قد يتطلب هذا من الأشخاص الاشتراك أولًا، حينها ستصبح هواتفهم قادرة على تحديد الهواتف الأخرى القريبة منهم عبر البلوتوث.

إذا استخدم شخص ما تطبيقًا معتمدًا لتتبع جهات الاتصال للإبلاغ عن نفسه على أنه مصاب، فيمكن عندئذٍ استخدام هذه المعلومات لتتبع من هو على مقربة منه دون الحاجة إلى تسجيل تلك المعلومات يدويًا.

سيتم إرسال البيانات تلقائيًا إلى مسؤولي الصحة العامة؛ مما يسمح لهم بالتواصل مع أولئك الذين لديهم اتصال عرضي مع شخص مصاب.

يُعد تتبع الاتصال الرقمي خطوة كبيرة نحو الأمام، ومع ذلك، فهي ليست مضمونة أيضًا. مرة أخرى، لأنها تتطلب من الأشخاص الاشتراك بالإضافة إلى الحرص على الإشارة إلى أنهم مصابون من خلال التطبيق.

بغض النظر عن أوجه القصور، تتوقع شركة آبل وكذلك جوجل توفير هذه التكنولوجيا في مايو القادم.

لكن بالطبع مدى نجاحها مرتبط بشكل أكبر بمعدل الاشتراك. ومع ذلك، من المحتمل أن تكون خطوة كبيرة إلى الأمام في تتبع الفيروس ومعرفة من ربما يكون قد أصُيب بالمرض.

إذً فإن تتبع جهات الاتصال تعتبر تقنية في غاية الأهمية للحد من انتشار فيروس كورونا المستجد، ومهما كانت الطريقة التي اتبعت في منطقتك، لابد وأن يشارك فيها أكبر عدد ممكن من الناس لتكون فعّالة قدر الإمكان. إذا تحقق ذلك، في الأشهر المقبلة، يجب أن يساعد في إنقاذ الأرواح وتسطيح المنحنى.